
لم يكن مستغربا ان تشهد الحرب السودانية انشقاقات عسكرية تغير موازين الميدان. المستغرب والمؤلم ان يتحول جزء من النخبة المدنية التي هتفت للديمقراطية في شوارع الخرطوم الى غطاء سياسي للمليشيا.
تشكل تحالف تأسيس في نيروبي يوم الثالث والعشرين من فبراير عام 2025 بعد توقيع ميثاق سياسي مع قوات الدعم السريع. ضم التحالف سياسيين واكاديميين قضى معظمهم سنوات في اوروبا وشاهد عن قرب معنى الدولة المدنية وسيادة القانون.
هؤلاء انفسهم كانوا قبل سنوات في قلب قوى الحرية والتغيير وشاركوا الشارع هتافه ضد التمكين العسكري وتغول الدعم السريع. ان الانتقال من موقف مناهضة المليشيا الى التوقيع على ميثاق يمنحها شرعية سياسية ليس موقفا سياسيا فحسب بل سقوطا اخلاقيا مكتمل الاركان.
المليشيا تملك السلاح لكنها لا تملك لغة السياسة ولا قدرة مخاطبة المجتمع الدولي. وعندما يتولى هذه المهمة سياسيون مدنيون متعلمون فانهم يمنحونها ما لا تستطيع صنعه بنفسها وهو واجهة سياسية تبرر القتل والنهب امام العالم.
والاخطر ان تأسيس لم يكن مجرد جناح سياسي مساند للمليشيا بل كان محاولة لاعادة تلميع صورة من فقدوا مصداقيتهم امام الشعب. الاشخاص الذين وقفوا على منابر الثورة وظهرت اسماؤهم رموزا للتغيير اختاروا في لحظة الحسم ان يتحولوا الى واجهة سياسية لمشروع عسكري مرفوض.
يكفي ان نذكر محمد حسن التعايشي وعلاء الدين نقد.
اعلن التعايشي رئيسا للوزراء في حكومة تأسيس الموازية يوم السادس والعشرين من يوليو عام 2025 بينما صار علاء الدين نقد الواجهة الاعلامية للتحالف والمتحدث باسمه في كل بياناته.
هؤلاء كانوا بالامس يتحدثون عن المدنية والتحول الديمقراطي واليوم صاروا يعلنون حكومة موازية في نيالا تحت حماية الدعم السريع.
مشروع تأسيس قام على رهان خاسر فقد بنى خطابه على فرضية قدرة الدعم السريع على الحسم العسكري وفرض امر واقع لذلك ركب الموجة مبكرا وقدم شرعية سياسية مقابل وعود بالسلطة لكن مع تراجع المليشيا ميدانيا وانكشاف حجم الانتهاكات انهارت ارضية المشروع واتضح ان التحالف لا يملك قاعدة شعبية ولا قوة ميدانية بل اسماء حاولت استعادة بريقها القديم على حساب دم السودانيين.
وهنا يظهر معنى ما يتردد عن اتصالات غير معلنة بين بعض قيادات تأسيس وقيادة الجيش بغرض العودة والانشقاق. سواء اكان هذا الخبر صحيحا ام كان مقصودا به الضغط النفسي على التحالف فان دلالته واحدة وهي انهيار الثقة داخل معسكر التمرد وحواضنه السياسية. فالمشروع الذي قام على رهان عسكري انكشف فشله واصبح من ارتبط به يبحث عن مخرج يحفظ به ما تبقى من مستقبله السياسي.
غير ان عودة قيادات تأسيس ان حدثت لن تكون كعودة جناح صمود او كالانشقاق العسكري. فالانشقاق العسكري يمثل ضربة مباشرة للمليشيا في الميدان ومكسبا للجيش حتى وان اغضب بعض قطاعات الشارع اما عودة سياسيي تأسيس فهي عودة بلا رصيد ميداني ولا شرعية شعبية. هؤلاء اختاروا السلطة مع المليشيا فخسروا المليشيا وسيخسرون مستقبلهم السياسي معها. اذ ان عودتهم مرفوضة جماهيريا ولا تمثل مكسبا سياسيا او عسكريا لاي طرف بل تزيد من عزلة المشروع الذي انهار اصلا في وعي الناس.
فالتاريخ لا يرحم من يمنح الشرعية لمن سفك دم الشعب.




