
حين ينقطع التيار في السودان اليوم لا ينقطع معه النور فقط تنقطع اجهزة المستشفيات وتتوقف ماكينات المصانع وتتوقف حياة كاملة عن الدوران هكذا صارت الكهرباء مرآة لحال الوطن كله
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون ان ازمة الكهرباء لم تولد مع اول رصاصة جذورها ضاربة في سنين من التراكمات فجوة بين الطلب والانتاج وبنية تحتية قديمة وصيانة مؤجلة لعقود فالتوليد نفسه كان يعتمد على مسارين اساسين هما التوليد المائي من السدود والتوليد الحراري المعتمد على الوقود وكلاهما ظل رهينا لتوفر الصيانة والوقود والعملة الصعبة
ومع ذلك شهد القطاع محاولة اعادة هيكلة تمثلت في التحول الى نظام الشركة القابضة التي تشرف على شركات منفصلة للتوليد والنقل والتوزيع كان الهدف رفع الكفاءة وفصل المهام لكن التطبيق عمليا ادى الى تعدد مراكز القرار وزيادة الحاجة للتنسيق بين الجهات المختلفة مما زاد التعقيد ولم يزد الحل كما شهدت هذه الفترة تشديد السيطرة على الخطاب الاعلامي عبر مجلس التنسيق الاعلامي بين الشركات حيث اصبحت المعلومات المتعلقة بالشبكة تعامل كمعلومات امنية قومية خصوصا مع اندلاع الحرب وفي الواقع اصبحت المعلومات الاساسية حول القطاع شحيحة ولا تعلن للجمهور فأرقام القدرة التوليدية والانتاج الفعلي وحجم الطلب والعجز وذروة الاحمال لا تخرج الا عبر هذا المجلس هذا الانعدام في الشفافية خلق فجوة بين المواطن والحقيقة فانتشر الغضب والتذمر والشائعات واصبح الناس يواجهون الظلام دون ان يعرفوا حجمه او اسبابه او متى سينتهي وفي خضم هذا الغضب وجد العاملون في الكهرباء انفسهم في الواجهة يتلقون حالات التنمر والاتهامات رغم انهم لا يملكون من الامر شيئا ويعملون في ظروف خطرة وبامكانيات محدودة
ثم جاءت الحرب لتكشف هشاشة ما كان مستورا محطات سقطت وخطوط نقل تمزقت وفرق الصيانة وجدت نفسها عاجزة امام ضعف الامكانيات والخطر الامني والظروف السيئة لم يعد العطل فنيا فقط صار عسكريا وامنيا وحين تضاف الى ذلك سرقة الكابلات والتوصيلات العشوائية تكتمل صورة الانهيار
لكن الخروج من هذا المازق لن يكون باعادة تدوير الشبكة القديمة كما كانت الواقع يفرض مسارا مختلفا البدء بما يمكن انقاذه فورا للخدمات الحيوية عبر حلول مرنة وسريعة التركيب تخف من وطأة الانقطاع على المستشفيات والمياه والاتصالات وتجربة فتح المجال امام القطاع الخاص في التوليد قد تكون فرصة لاعادة تشكيل المنظومة على اساس هجين يجمع بين ما تبقى من التوليد المائي والحراري وما يمكن اضافته من طاقة شمسية لامركزية هكذا يخف الضغط عن المركز ويقل الاعتماد على وقود لم يعد الاقتصاد قادرا على استيراده
غير ان كل هذه الحلول تبقى معلقة على خيط رفيع اسمه الامن فحتى لو توفرت الاموال واصلحت المحطات فان وجود طرف يجعل من محطات التوليد هدفا مباشرا يجعل كل ما يبنى قابلا للانهيار في لحظة المليشيا لم تتعامل مع الكهرباء كبنية خدمية بل كسلاح واستهدفتها بمنهجية لان اسقاطها يعني شل الحياة كلها لذلك فان اي مسيرة واحدة كافية لنسف جهد شهور واي مليار يضخ اليوم يمكن ان يتحول الى ركام غدا
من هنا يصبح واضحا ان المشكلة لم تعد فنية ولا تمويلية فقط المشكلة امنية وسياسية بالدرجة الاولى وما لم يتوقف الاستهداف الممنهج وتعود سلطة الدولة على مرافقها سيظل كل جهد مؤقتا وكل استثمار مغامرة خاسرة
ولا حل غير السلام والاستقرار فهو وحده ما يوقف اليد التي تهدم ويعيد الثقة لمن يريد ان يبني ويجعل للنور معنى يستحق ان يستمر وحين يعود السلام يعود النور ولن تطفئه مسيرة




