
السيادة لا تُشترى من أسواق الخارج، ولا تُستعار من حاويات الموانئ. هي تنتزع انتزاعاً من رحم الأرض، وتُصاغ في مصانع الرجال، وتُثبت عندما يقرر الوطن ماذا يدخل حدوده، ومتى، ولماذا.
لسنوات طويلة ظل السودان حاملاً لمفارقة موجعة: أرضه تفيض بالخام، وجيبه يفرغ على المستورد. كان الميناء بوابة عبور لا لسلع بقدر ما كان بوابة لتهريب القرار. لوبي الاستيراد لم يكن تجاراً فحسب، بل كان سلطة موازية، تحول الطلب الداخلي إلى عملة ربح، وتحول الاستهلاك إلى قدر محتوم.
اليوم، حين يأتي قرار منع استيراد السلع، فإنه لا يقف عند حد الجباية أو التنظيم المؤقت. إنه إعلان قطيعة مع منطق التبعية، واستئناف لحكاية دولة تريد أن تسترد نفسها. كل دولار يُمنع من الخروج اليوم هو بذرة مصنع لم يقم، ومزرعة لم تُروَ، ويد عاملة كانت على وشك أن تُهاجر.
وأما على صعيد الأمن، فالقاعدة صارت واضحة: من يملك قوتك يملك قرارك. الحرب الأخيرة كشفت أن الدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها ودوائها ووقودها، تعيش على حبل مشدود. لذلك، فإن تقليص الاستيراد العشوائي ليس إجراءً اقتصادياً وحسب، بل هو تحصين لشريان الحياة.
وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن كسر لوبي الاستيراد يعني إعادة رسم الخارطة. لقد كان الاستيراد قناة تبعية ناعمة، تربطنا بأسواق وشروط لم نشارك في وضعها. أما اليوم، فالقرار يعيد توجيه البوصلة نحو شراكات تقوم على المقايضة والإنتاج المشترك، لا على الابتلاع الاستهلاكي.
وفي البعد الاجتماعي، فإن المسألة أعمق من أسعار وسلع. المجتمع الذي يستورد كل شيء يفقد ثقته بنفسه، ويفقد يقينه بقدرته على الخلق. فالمنع المدروس يعيد الاعتبار للعمل اليدوي، للصناعة الصغيرة، للزراعة التي كانت منسية.
معركة منع الاستيراد إذن ليست معركة وزارة ولا قراراً إدارياً. هي معركة شعب يريد أن يكون سيداً في أرضه، لا ضيفاً في سوقه. ولوبي الاستيراد الذي يبكي اليوم على “حرية السوق” هو ذاته الذي حول السوق إلى احتكار، وحول الحرية إلى تبعية مقنعة.
القرار صائب، والتحدي في التنفيذ الذكي: حماية المنتج المحلي دون ترك المواطن فريسة للجشع، وضرب التهريب دون خنق السوق، ودعم الإنتاج دون الوقوع في البيروقراطية.



