
لم تكن عملية استبدال العملة بولاية الجزيرة إجراءً مصرفياً عابراً، بل اختباراً مزدوجاً لقدرة الدولة على ضبط الكتلة النقدية، وقدرة البنوك على استعادة ثقة المواطنين تحت ضغط الحرب والازدحام والتحديات اللوجستية.
في قلب هذا المشهد برز بنك الخرطوم بانتشار واسع لفروعه وتحركات ميدانية مكثفة. قاد العملية الصادق إيدام مدير إدارة فروع الولايات، ومعتصم عبدالله مدير منطقة الجزيرة وشرق الجزيرة، عبر فروع مدني والحصاحيصا والمناقل وأم القرى ذات الكثافة السكانية والتجارية العالية.
ولم يتعامل البنك مع الاستبدال كنشاط منفصل، بل أصر على استمرار الخدمات البنكية بالتوازي مع إجراءات الاستبدال. يقول إيدام إن توقف المعاملات كان سيؤدي لشلل اقتصادي في ولاية تعتمد على الزراعة والتجارة اليومية. وشهد اليوم الأخير ازدحاماً غير مسبوق، فتم تمديد ساعات العمل حتى السادسة مساءً واستمر بعض الموظفين حتى ساعات متأخرة لاحتواء الضغط.
ونفذ البنك ترتيبات ميدانية شملت دعم الفروع بموظفين إضافيين وماكينات حديثة لكشف التزييف. في المناقل دفعت ماكينات متطورة، وفي الحصاحيصا أنشئ صيوان كبير لخدمة مواطني تمبول ورفاعة والهلالية وأبو عشر والقرى المجاورة. أما أم القرى فدعمت بعربة تشغيلية وموظفين جدد من القضارف.
العملية لم تستهدف تبديل الأوراق فقط، بل إعادة الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي للقنوات الرسمية، ومكافحة التزييف، وتقليل السيولة المكتنزة. الهدف تمكين بنك السودان المركزي من استعادة السيطرة على السياسة النقدية وحركة السوق.
والبعد الإنساني كان حاضراً بقوة. اضطر موظفون للمبيت داخل الفروع، وامتد العمل حتى الثانية والثالثة صباحاً في بعض المواقع. واستفاد البنك من تجارب القضارف وكسلا وبورتسودان ونهر النيل في التنسيق وتوزيع الكوادر والفرق المتحركة.
كما استثمر البنك العملية لترميم علاقة المواطن بالجهاز المصرفي عبر تحسين بيئة الفروع وتوفير التكييف ومبردات المياه ورفع شعار “أنت أولاً”. وساندت حكومة الجزيرة وبنك السودان المركزي العملية ميدانياً بمتابعة مباشرة من قيادات المركزي، بينهم سامي عبدالحفيظ نائب المحافظ.
التجربة تثبت أن استعادة الاستقرار النقدي لا تتحقق بالقرارات وحدها، بل ببناء شبكة ثقة بين الدولة والبنوك والمواطنين. وفي الجزيرة تحول بنك الخرطوم إلى غرفة عمليات اقتصادية وإنسانية عملت تحت ضغط هائل لحماية الدورة النقدية ومنع انهيار الثقة.




