
تصريح وزير مالية الجزيرة عاطف أبوشوك عن برنامج “إيصالي” ليس خبراً تقنياً عن تطبيق جديد. هو إعلان سياسي واقتصادي بأن الولاية قررت أن تخوض معركة المال العام من أخطر جبهاتها: جبهة التحصيل. فالبرنامج في ظاهره نظام إلكتروني للسداد، وفي جوهره أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الخزينة والموظف، وبين الإيراد والفساد.
حين يقول الوزير إن “إيصالي برنامج دولة واجب التنفيذ”، فهو يضع النقاط على حروف ظلت مبعثرة لسنوات. التحصيل الورقي كان ثقباً أسود يبتلع جزءاً من المال العام قبل أن يصل الخزينة. الإيصال المكتوب باليد قابل للتزوير، للتمزيق، للنسيان المتعمد. والكاش المتداول بين يد المتحصل وجيب المواطن هو مساحة رمادية لا يراها المراجع ولا يسجلها النظام.
“إيصالي” يلغي المنطقة الرمادية. كل جنيه يُدفع يُسجل لحظياً، ويظهر في حساب الولاية، ويُرصد في المركز. لا مجال لوردية بعد الدوام، ولا لإيصال مضروب، ولا لقروش دخلت لكن ما اتوردت. لهذا، البرنامج ليس رفاهية تقنية، بل شرط بقاء للولاية التي التزمت في موازنة 2026 بتغطية 62% من مواردها ذاتياً. فكيف تُحصّل 414 مليار جنيه بإيصال ورقي وقلم جاف؟
تقرير د. الصادق الأسد كشف العُقدة. نسبة التنفيذ تتفاوت بالمحليات، واللجنة تعمل على توفير الأجهزة الطرفية وبعض النواقص الإدارية والفنية. هنا بالضبط يُختبر نجاح أو فشل البرنامج. فالبرامج القومية تموت في التفاصيل. جهاز واحد لا يصل إلى محلية نائية يعني عودة الإيصال الورقي من الباب الخلفي. شبكة تنقطع في وحدة إدارية تعني طابوراً من المواطنين الغاضبين وعودة للكاش.
الجزيرة ولاية مترامية. فيها مدني الكبرى والمناقل والحصاحيصا، وفيها قرى وكنابي لا ترى المركز إلا في المواسم. تعميم “إيصالي” فيها يحتاج لوجستيك دولة: أجهزة، شبكات، كهرباء، تدريب، صيانة. وكل جهاز طرفي لا يعمل هو ثغرة في جدار الشفافية، وذريعة للمتحصل القديم كي يقول السيستم واقع، نكتب ليك ورقي.
لذلك، حديث الوزير عن خطة متكاملة ورؤية واضحة يجب أن يُترجم إلى جدول زمني معلن: متى تصل الأجهزة لكل محلية؟ ما خطة الطوارئ إذا انقطعت الشبكة؟ من يصون الجهاز إذا تعطل؟ فالمواطن لا يجادل في فلسفة التحصيل الإلكتروني، يجادل في الدقيقة التي يقفها أمام شباك لا يعمل.
قول الوزير إن البرنامج يسهم في تحقيق الشفافية والنزاهة ويحافظ على المال العام وحقوق الوطن والمواطن ليس خطاباً إنشائياً. هو تعريف جديد للسيادة المالية. فالدولة التي لا تعرف كم تجمع، ولا أين يذهب ما جمعته، هي دولة منقوصة السيادة. والولاية التي تترك 414 مليار جنيه لمزاج المتحصل، هي ولاية تُدار بالبركة.
“إيصالي” ينقل السلطة من يد الموظف الصغير الذي يملك دفتر الإيصالات، إلى يد النظام الذي يراه الوزير والمراجع والمواطن في لحظة واحدة. وهذا تحويل خطير في موازين القوى داخل الجهاز الحكومي. سيقاومه المستفيدون من الفوضى، وسيتحججون بتعقيدات التطبيق، وبأن الناس ما بتعرف تستخدمه، وبأن الشبكة كعبة. معركة “إيصالي” إذن ليست معركة تقنية، بل معركة نفوذ.
إشارة الوزير إلى التنسيق مع وزارة المالية الاتحادية والشركة المطورة ومركز معلومات الولاية تضع البرنامج في سياقه الصحيح. “إيصالي” ليس اختراع الجزيرة، بل سياسة اتحادية. والجزيرة التي تشتكي من أن الدعم الاتحادي يغطي 50% فقط من المرتبات، تحتاج أن تثبت للمركز أنها جادة في تعظيم مواردها. فكل جنيه تُحصله إلكترونياً هو حجة أمام الخرطوم تقول نحن نقوم بواجبنا، فأين واجبكم؟
كما أن نجاح الجزيرة في التطبيق سيجعلها نموذجاً لبقية الولايات. والفشل سيُسجل كدليل على أن المركز يفرض برامج لا تصلح للأطراف. لهذا، معركة “إيصالي” في مدني، هي معركة سمعة للولاية وللمركز معاً.
الحكومة تقول إن البرنامج يحمي حقوق المواطن. والصحيح أن المواطن سيحمي البرنامج إذا شعر أنه يحميه. الإيصال الإلكتروني يعني أن ما دفعه مسجل، ولن يُطلب منه مرتين. يعني أن الرسوم موحدة، ولن يفاصل فيها متحصل. يعني أن بإمكانه أن يشتكي ومعه دليل لا يُمحى.
لكن المواطن سيقاوم البرنامج إذا رأى أنه مجرد وسيلة لزيادة الجباية بلا مقابل. إذا دفع إلكترونياً وظل الطريق محفراً، والمستشفى بلا دواء، والمدرسة بلا كتاب. “إيصالي” يجب أن يُربط مباشرة بتحسين الخدمة. أن يرى الناس عائد التحصيل في الشارع، لا في تقارير الوزارة. الشفافية في التحصيل تستدعي شفافية في الصرف.
برنامج “إيصالي” في الجزيرة هو مفترق طرق. إما أن يكون بداية لعهد جديد تكون فيه خزينة الولاية زجاجية، يرى الداخل والخارج كل ما يدخل ويخرج. أو يكون لافتة أخرى تُعلق على باب الوزارة، ثم تموت كما ماتت مشروعات كثيرة على يد النواقص الإدارية والفنية.
الوزير أبوشوك وضع سمعته على المحك حين قال إن الوزارة تضع إمكاناتها كافة لإنجاح هذا العمل. والنجاح هنا له مقياس واحد: هل اكتمل البرنامج في 100% من محليات الجزيرة قبل نهاية أبريل كما وعد؟ هل اختفى الإيصال الورقي فعلاً؟ هل زادت الإيرادات المحصلة وانخفضت الشكاوى؟
إن حدث، تكون الجزيرة قد قدمت للسودان درساً: أن محاربة الفساد لا تحتاج خطباً، بل تحتاج جهازاً طرفياً يعمل، وشبكة لا تنقطع، وإرادة لا تتراجع. وإن تعثر، تكون قد أضافت دليلاً جديداً على أن المشكلة لم تكن يوماً في الورق، بل في اليد التي تمسك بالقلم.




