الاقتصادية

معاوية السقا يكتب د. مجدي البخيت.. حين يتكلم المصرف بلغة الميدان

في مدن الأطراف، حيث لا تصل كاميرات العاصمة إلا لماماً، وحيث تُصنع السياسات النقدية بعيداً عن ضجيج القاعات المكيفة، يبرز اسم د. مجدي البخيت مدير بنك السودان فرع مدني. رجل لا يكتفي بأن يكون موظفاً يحرس الخزائن، بل اختار أن يكون جسراً بين قرارات البنك المركزي وعرق المزارع في مشروع الجزيرة، بين لغة الأرقام الصماء ولغة السوق التي تفهمها الأكف المتشققة.

البخيت ليس اسماً طارئاً على المشهد المصرفي. هو ابن المؤسسة، تدرج في دهاليزها حتى خبر نبضها. لكنه أبى أن تحبسه الجدران. حين أعلن والي الجزيرة أن استبدال العملة “ملحمة وطنية”، كان صوت البخيت هو الذي ترجم الملحمة إلى خطة. تحدث عن 61 مصرفاً، وعن مراكز جوالة، وعن مهلة تنتهي في 15 مايو. لم يترك المواطن لرحمة الإشاعة، ولم يترك القرار في برج عاجي. نزل به إلى السوق، وإلى الكنابي، وإلى أطراف الولاية حيث يختبئ الخوف من “القروش تبقى ورق ساي”.

الرجل يدرك أن البنك المركزي في ولاية كالجزيرة ليس مجرد فرع لتحصيل الإيداعات. هو عصب الاقتصاد الحقيقي. فالجزيرة ليست حياً سكنياً، بل مزرعة السودان. وكل قرار نقدي فيها ينعكس مباشرة على سنبلة القمح، وعلى جوال الذرة، وعلى سعر جوال الفتريتة في سوق “أم سنط”. لذلك، تجد خطابه محمّلاً بهمّ الناس قبل أن يكون محمّلاً بتعليمات الخرطوم.

في ملف استبدال العملة، اختار البخيت الوضوح سلاحاً. قالها بلا مواربة: فئة الألف والخمسمائة جنيه ستكون غير مبرئة للذمة بعد 15 مايو. عبارة قانونية جافة، لكنه ألبسها ثوب الواقع حين ناشد المواطنين بإيداع أموالهم، وحين أكد أن المراكز الجوالة ستطارد الكتلة النقدية في أقصى ركن من الولاية. لم يعد الناس بحملات توعية نظرية، بل بخارطة طريق عملية. وهذا ما يميز المصرفي الميداني عن المصرفي المكتبي.

البخيت يفهم أن الثقة هي رأس مال البنوك قبل أن تكون رأس مال الناس. والمزارع الذي خبأ ماله تحت المخدة لم يفعل ذلك كراهية في البنك، بل خوفاً من “الشباك قافل”، ومن “الشبكة طاشة”، ومن “تعال بكرة”. لذلك، معركته الحقيقية ليست في عدّ الأوراق النقدية، بل في إعادة فتح الباب بين المواطن والمصرف. معركة تبدأ بموظف لا يتجهم، وتنتهي بشبكة لا تنقطع، وتمر بسيولة لا تغيب.

ولأن الجزيرة موعودة بنهضة زراعية بعد الحرب، فإن دور فرع بنك السودان فيها يتجاوز الرقابة إلى التحفيز. التمويل الزراعي، وضمان الصادر، وتسهيل حركة النقد للمشروعات، كلها ملفات تنتظر على مكتب الرجل. والنجاح فيها لا يُقاس بتقارير تُرفع للمركز، بل بفدان يُزرع، وحصادة لا تتوقف، ومزارع لا يبيع محصوله بـ”الكسر” لتاجر جشع.

د. مجدي البخيت يقف اليوم في نقطة التقاء عاصفة. بين دولة تريد أن تسحب الكتلة النقدية الهاربة، ومواطن يريد أن يضمن أن ماله في أمان. بين سياسة نقدية تريد كبح التضخم، وسوق يريد سيولة تدير التروس. والتوازن هنا ليس معادلة رياضية، بل حكمة رجل يعرف متى يشدد ومتى يرخي، ومتى يتكلم بلغة القانون ومتى يتكلم بلغة الناس.

قد لا تذكره نشرات الأخبار كثيراً، وقد لا تطارده عدسات المصورين. لكن أثره يُقاس بعدد الصفوف التي قصرت أمام البنوك، وعدد المزارعين الذين اطمأنوا على مدخراتهم، وعدد الشاحنات التي خرجت من المشروع محملة بالخير لأن التمويل وصل في وقته.

في زمن الأزمات، تحتاج الدولة إلى رجال دولة في كل موقع. ود. مجدي البخيت في مدني، هو رجل الدولة في ثوب المصرفي. رجل يفهم أن استقرار الجنيه لا يبدأ من الخرطوم، بل يبدأ من حقول الجزيرة. وأن الملحمة الوطنية لا تُخاض بالبيانات، بل بشباك مفتوح، وموظف مبتسم، ومركز جوال يصل قبل أن يتحول الألف جنيه إلى ذكرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى