
قرأت عن تجربة مجموعة مياسم الصناعية خلال أشهر الحرب، فوجدت نفسي أمام نموذجٍ لا يتحدث عن إنتاجٍ وأرقامٍ فحسب، بل عن موقفٍ أخلاقيٍ نادر في زمنٍ اختلطت فيه المصالح وتقدّمت فيه الحسابات الضيقة على نبض الوطن.
ما فعلته مياسم لم يكن إدارةً عابرةً لأزمة إمداد، بل كان إعادة تعريفٍ لدور رأس المال الوطني. ففي اللحظة التي اختار فيها كثيرون الحقيبة والمغادرة، اختارت هي الماكينة والصمود. وهنا يتضح الفرق بين من ينظر إلى السودان كسوقٍ للربح، ومن يراه أمانةً لا تُسلّم حين تشتد المحنة.
لفتني في سرد التجربة تلك العبارة: “لم تكن معركة مياسم معركة ربحٍ وخسارة، بل كانت معركة وجودٍ ووفاء”. وهنا بيت القصيد. فالصناعة الوطنية إذا لم تنحز للمواطن وقت العوز والانقطاع، فمتى تنحاز؟ وإذا لم تسدّ الفراغ حين يتراجع المستورد، فما قيمتها؟
الأرقام التي خرجت من الميدان لم تكن مجرد إحصاءات. هي شهادة على أن الإرادة السودانية قادرة على ملء الفراغ، وأن حديث “عجز الصناعة المحلية” الذي رددته دوائر الاستيراد لسنوات، تهاوى أمام واقعٍ ملموس يصل إلى كل بيت.
والأهم أن مياسم لم تقف عند حدود الإنتاج. أدركت أن المؤسسة الحقيقية تُقاس بأثرها على الإنسان قبل المنتج. فكان دعمها للنازحين والمتضررين امتداداً طبيعياً لفلسفةٍ ترى أن الاقتصاد بلا ضميرٍ جسدٌ بلا روح. هكذا تحولت الورشة إلى خندقٍ موازٍ، والعمل اليومي إلى فعل مقاومةٍ صامت.
التجربة تضعنا أمام سؤالٍ مباشر: لماذا صمدت مياسم ولم يفعل الآخرون؟
والإجابة لا تحتاج إلى فلسفة. تحتاج إلى قرارٍ بأن الوطن أولاً، وإلى بيئةٍ تحمي من يختار البقاء ولا تكافئ من يختار الهروب.
تحية لمياسم على ما قدمت. وتحية لكل صاحب مصنعٍ وعاملٍ آثر أن يبقى ويُعمّر حين كان الهروب أسهل الطرق.
فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالسواعد التي لا تتوقف، وبالقرار الذي يقول: هنا نبقى، ومن هنا ننهض.



