الاقتصادية

معاوية السقا يكتب.. حين يتحدث السوق.. فهل تسمع الوزارة؟ ..بشير جموعة يضع الملح علي الجرح

تصريح رجل الأعمال البشير الصادق جموعة لم يأتِ من فراغ، ولم يُلقَ على عواهنه. هو صرخة تاجر يعرف السوق كما يعرف كفه، وإنذار مبكر من رجل يرى الحريق قبل أن تشتعل النار. وصف القرار بأنه “متعجل”، وهذه أقل الصفات قسوة. فالمتعجل قد يخطئ، لكن الأخطر أن يكون القرار “أعمى”، لا يرى الواقع إلا من نافذة مكتب مكيف.

جموعة وضع يده على الجرح تماماً: الاقتصاد لا يُدار بالتمنيات. لا يُصلح الاعوجاج بمنشور، ولا تُسد الفجوة بقرار. حين توقف استيراد الأسمنت ومصانعك تعمل بربع طاقتها، فأنت لا تحمي المنتج الوطني، أنت تدفنه حياً. وحين تمنع الفول المصري وفجوة إنتاجك 40%، فأنت لا توفر عملة صعبة، أنت تصنع عملة أصعب اسمها “الجوع”.

الوزارة تتحدث عن “الكماليات”، لكن قوائم الحظر ضمت “الأساسيات”. الزنك كمالي؟ الأرز كمالي؟ مواد البناء كمالية في بلد يخرج من حرب ويحتاج إلى كل طوبة؟ هذا توصيف يصطدم بالواقع اصطدام القطار بالحائط. المواطن الذي يريد أن يسقف غرفة لأطفاله لا يفهم فلسفة “ترشيد الاستيراد”. يفهم فقط أن سعر اللوح صار ضعفين، وأن المقاول اعتذر، وأن الحلم تأجل.

تحذيرات جموعة الثلاثة ليست تنجيماً، بل قراءة في كتاب مفتوح اسمه “تجاربنا السابقة”. الارتفاع الجنوني في الأسعار حدث قبل أن يجف حبر القرار. التهريب بدأ ينشط والحدود صارت مثقوبة أكثر من ذي قبل. والورش أغلقت أبوابها لأن “الاسبير” صار حلماً. هذه ليست فرضيات، هذه فاتورة ندفعها الآن، نقداً، من جيب المواطن المنهك.

النقطة الجوهرية التي أثارها الرجل هي الفرق بين “الحماية” و”المنع”. الحماية أن تقوي ظهر مصنعك، أن تعطيه كهرباء لا تنقطع، ووقوداً لا يصطف له، وضرائب لا تكسر ظهره. ثم تقول له: “انزل الميدان ونافس”. أما أن تربط يديه وقدميه، ثم تمنع عنه المنافس وتقول له “اركض”، فهذا ليس دعماً، هذا تواطؤ على الفشل.

الغريب أن الحكومة تريد عملة صعبة، فتخلق بقرارها سوقاً سوداء تبتلع العملة الصعبة وتخرجها من تحت الطاولة. تريد أن تحارب التهريب، فتفتح له الباب على مصراعيه. تريد أن تضبط السوق، فتفلته تماماً. وكأننا نداوي الجرح بالملح، ثم نشكو من الألم.

مطالبة جموعة بتشكيل لجنة طارئة هي عين العقل. فالاقتصاد لا يدار بقرارات فوقية تُتخذ في غرف مغلقة. يُدار بشراكة. يُدار بإنصات للتاجر، وللصانع، وللمواطن. فهؤلاء هم من يدفع الثمن، وهم من يعرف أين موضع الألم.

الوزارة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تراجع القرار بشجاعة، وتفرق بين الكمالي والضروري، وبين ما ننتجه وما لا ننتجه. وإما أن تمضي في العناد، وتتحمل وزر الندرة، والغلاء، والتهريب، والسخط الشعبي. والتاريخ لا يرحم القرارات التي تجوّع الناس باسم الإصلاح.

البشير الصادق جموعة قالها واضحة: “ما لا ننتجه، يجب أن نستورده إلى أن ننتجه”. هذه ليست قاعدة تجارية، هذه قاعدة حياة. أما المنع في زمن العجز، فهو ليس سياسة اقتصادية.. هو مقامرة بمصير شعب.

فهل تسمع الوزارة صوت السوق، قبل أن يتحول الصوت إلى صراخ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى