
حين أعلن والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير تدشين حملة حصر وتفتيش وتصنيف الشقق، ووضع جملة اعتراضية حاسمة في خطابه: “ليس الغرض منها تحصيل الإيرادات”، كان يدرك تماماً حساسية اللحظة. في زمن الحرب، تصبح العلاقة بين الدولة والمواطن هشة، ويتحول أي إجراء تنظيمي إلى موضع ريبة. لكن قراءة متأنية لدوافع الحملة وتوقيتها ومكوناتها تكشف أنها تتجاوز الإجراء الإداري الروتيني إلى مربع “هندسة الاستقرار” و”إعادة تعريف هيبة الدولة”.
السياق وحده يفسر التوقيت. خرجت مدني من شهور عصيبة. النزوح الكثيف، والفراغ الأمني، وانتشار السكن العشوائي خلق بيئة خصبة للجريمة والنشاط الهدام. الشقق المفروشة تحولت في بعض الحالات إلى ملاذات آمنة للمتفلتين، ومخازن للمسروقات، وغرف عمليات للجرائم العابرة. في غياب قاعدة بيانات، أصبحت الأجهزة الأمنية تقاتل في الظلام. إذن، الحملة ليست ترفاً بيروقراطياً. هي استجابة أمنية أولاً لفرض واقع جديد عنوانه: “مدني مدينة معروفة”. معرفة من يسكن أين، ومتى، ولماذا، هي ألف باء الأمن في المدن الخارجة من الأزمات. توجيه الوالي بمراجعة النزلاء يومياً يؤكد أن البعد الأمني هو المحرك الرئيسي.
اللافت في التصريحات هو ما يبدو تناقضاً للوهلة الأولى. الوالي ينفي أن الهدف هو الإيرادات، بينما مديرة السياحة تؤكد أهمية الشقق لتعزيز إيرادات الولاية. هذا ليس تناقضاً، بل هو التدرج في الأهداف. المرحلة الأولى من أي إصلاح هي “الضبط”. لا يمكن أن تتحدث عن إيرادات من قطاع لا تعرف حجمه ولا تسيطر عليه ولا تضمن أمنه. الجباية في بيئة فوضوية تولد فساداً ومقاومة. أما التنظيم فيولد ثقة، والثقة تولد التزاماً، والالتزام يولد إيراداً مستداماً. ما تفعله حكومة الجزيرة هو أنها تضع العربة خلف الحصان، لا أمامه. تريد أن تبني الثقة أولاً عبر رسالة واضحة: “نحن هنا لنحميك لا لنأخذ منك”. وبعد أن يستقر الأمن ويتم التصنيف وتتحسن الخدمة، ستأتي الإيرادات كنتيجة طبيعية، لا كهدف قسري. هذا هو الفرق بين دولة الجباية ودولة المؤسسات.
تشكيلة الجهات المشاركة في الحملة لم تكن اعتباطية. وجود جهاز المخابرات العامة وشرطة السياحة والدفاع المدني إلى جانب الشرطة المجتمعية وإدارة السياحة يكشف عن فلسفة “الأمن الشامل”. جهاز المخابرات والشرطة يتوليان البعد الأمني والاستخباري لحصر العناصر المشبوهة ومنع استغلال الشقق في أعمال تخريبية. الدفاع المدني يتولى البعد الوقائي للتأكد من اشتراطات السلامة ومخارج الطوارئ وطفايات الحريق، فالحرب علمتنا أن الكارثة قد تأتي من ماس كهربائي لا من قذيفة. الشرطة المجتمعية تتكفل بالبعد الاجتماعي لبناء جسر ثقة مع الملاك والنزلاء وتحويلهم من خائفين من الحملة إلى شركاء فيها. أما إدارة السياحة فتمثل البعد الاقتصادي والتنموي، لأن التصنيف يعني رفع الجودة، ورفع الجودة يعني جذب الزوار، وجذب الزوار يعني إنعاش السوق. هذا التحالف يقول إن الدولة عادت بأجهزتها كافة، لكنها عادت بوجه جديد: وجه يحمي وينظم ويخدم في آن واحد.
نجاح الحملة مرهون بتجاوز مطبات رئيسية. إذا تحول “التفتيش اليومي” إلى مداهمة وانتهاك للخصوصية فستفقد الحملة هدفها وتتحول إلى أداة تنفير. المطلوب آلية ذكية: ربط إلكتروني بين الملاك والشرطة، ودفاتر نزيل معتمدة، وزيارات تفتيشية غير استفزازية. كما أن أي عملية حصر وتصنيف تفتح باباً للرشاوى والمحسوبية تحت شعار “تدفع لتصنف خمس نجوم”. الشفافية في المعايير ونشر قوائم التصنيف للجمهور وتفعيل آلية شكاوى قوية هي صمام الأمان. ثم يبقى مطب الثقة، فملاك الشقق متخوفون. الكثيرون منهم نزحوا وفقدوا، واليوم يُطلب منهم التزامات جديدة. يجب أن تصاحب الحملة حزمة تحفيز: إعفاء من رسوم سابقة وتسهيلات في توصيل الخدمات وحملات ترويج للشقق المصنفة، حتى يشعر المالك أن التنظيم يضيف لقيمة عقاره لا يخصم منها.
الهدف الاستراتيجي الأبعد ليس فقط معرفة عدد الشقق، بل تحويل هذا القطاع من “اقتصاد ظل” إلى “رافعة اقتصادية”. ولاية الجزيرة تملك مقومات سياحية هائلة: نيل ومشروع زراعي وتاريخ وموقع متوسط. لكنها تفتقر إلى بنية إيواء منظمة وآمنة. تصنيف الشقق هو الخطوة الأولى لبناء “العلامة السياحية لمدني”. سائح أو مستثمر أو طبيب زائر حين يبحث عن سكن سيجد منصة حكومية موثوقة بها شقق مصنفة وآمنة وأسعارها واضحة. هذا يقتل السوق السوداء ويشجع الاستثمار في بناء الشقق الفندقية ويخلق آلاف الوظائف في الخدمات المصاحبة.
حملة حصر الشقق في الجزيرة هي اختبار دقيق لمفهوم “هيبة الدولة” في القرن الحادي والعشرين. الهيبة القديمة كانت تقوم على القوة والقسر. الهيبة الجديدة يجب أن تقوم على المعلومة والعدالة والخدمة. والي الجزيرة يريد أن يقول إن الدولة عادت، لكنها عادت لتخدم لا لتتسلط. وإن الأمن مقدمة للتنمية لا بديل عنها. وإن الإيرادات نتيجة للتنظيم لا سبب له. إذا نجحت الحملة في تحقيق التوازن بين القبضة الأمنية واللمسة الخدمية، فإنها ستكون نموذجاً يُحتذى لبقية الولايات. ستكون دليلاً على أن الخروج من الحرب لا يكون بالشعارات، بل بالإجراءات الصغيرة المنضبطة التي تعيد للناس إحساسهم بالأمان والكرامة. وشقة مصنفة وآمنة، قد تكون اليوم أهم من خطاب سياسي. لأنها تعني أن الحياة عادت، وأن التفاصيل الصغيرة بخير. والتفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الأوطان الكبيرة.




