التقارير

معاوية السقا يكتب : الميناء البري لعطبرة: واجهة المدينة وقلبها النابض في حركة النقل والسفر

في مدينة ارتبط اسمها بالسكة الحديد ودوي الصافرات، برز خلال العقدين الأخيرين معلم حديث أصبح يضاهي المحطة في رمزيته: “الميناء البري لعطبرة”. ليس مجرد موقف للبصات، بل هو رئة تتنفس منها المدينة، وبوابة تستقبل وتودع آلاف المسافرين يومياً، ومرآة تعكس وجه عطبرة المتجدد في زمن التعافي.

الموقع والدور: عقدة مواصلات الشمال
يتوسط الميناء البري مدينة عطبرة، على مقربة من السوق الكبير، ليؤكد دوره كـ”عقدة مواصلات” تربط ولاية نهر النيل بكل السودان. من هنا تنطلق البصات شرقاً نحو بورتسودان وكسلا، وغرباً نحو الخرطوم ومدني والأبيض، وشمالاً إلى دنقلا وحلفا.

بعد الحرب وتعثر حركة الطيران والسكة الحديد، تضاعفت أهمية الميناء البري. صار هو الخيار الأول والآمن لآلاف الأسر والطلاب والتجار. في ذروة أزمة النزوح، استقبل الميناء أكثر من 150 بصاً في اليوم الواحد، وتحول إلى خلية نحل تعمل 24 ساعة لتنظيم حركة الوصول والمغادرة.

المنشآت والخدمات: من موقف إلى ميناء متكامل
ما يميز ميناء عطبرة البري أنه تجاوز فكرة “الموقف العشوائي”. المنشأة تضم:
– *صالات انتظار مكيفة* للمسافرين مزودة بمقاعد وشاشات عرض لمواعيد الرحلات.
– *13 منفذاً للبصات* مرقمة ومنظمة، تنهي فوضى التدافع والبحث عن البص.
– *مجمع تجاري خدمي* يضم كافتيريات، ومتاجر، ومكاتب حجوزات، وصرافات آلية، ومركزاً للشرطة.
– *مصلى ودورات مياه* بمواصفات جيدة تراعي الكثافة العالية.
– *ساحة لسيارات الأجرة والحافلات الداخلية* تنظم حركة الربط مع أحياء المدينة.
– *نظام نداء إلكتروني* وإذاعة داخلية للإعلان عن الرحلات، مما قضى على الضوضاء العشوائية.

هذه البيئة المنظمة رفعت مستوى الأمان والراحة، خاصة للنساء وكبار السن والأسر.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي
الميناء البري محرك اقتصادي لا يهدأ. يوفر أكثر من 600 فرصة عمل مباشرة: سائقين، مضيفين، عمال مناولة، موظفي حجز، عمال نظافة، وأصحاب محلات. وتتغذى عليه عشرات المهن الهامشية حوله: بائعات الشاي، محلات الإسبيرات، والفنادق الشعبية.

للتجار، هو نقطة تجميع وتوزيع للطرود والرسائل. وللمواطن، هو ضمان للسفر في بص مرخص، بسعر تذكرة معروف، وموعد محدد. عائدات الميناء ساهمت في دعم ميزانية المحلية، ووجه جزء منها لصيانة الشوارع المؤدية إليه وإنارة السوق
. في زمن الحرب والتعافي: ملاذ آمن
شهد الميناء البري ملحمة إنسانية خلال أشهر النزوح. تحولت صالاته إلى محطة استقبال أولية للنازحين من الخرطوم. تشكلت فيه مبادرات شبابية لتقديم الماء والطعام، وتنسيق الترحيل للعاجزين. شركات البصات خفضت أسعار التذاكر، وبعضها سيّر رحلات مجانية للأسر المتعففة.

مدير الميناء يقول: “لم نغلق أبوابنا ساعة واحدة. كان شعارنا: عطبرة تفتح قلبها قبل أن تفتح بيوتها”. هذا الدور عزز من مكانة عطبرة كـ”مدينة مضيافة” في وجدان كل السودانيين.

. التحديات والتطلعات
رغم التطور، لا يزال الميناء يواجه تحديات: الضغط الهائل على المرافق مع تزايد الرحلات، والحاجة إلى توسعة الساحات، وتحديث نظام الحجز الإلكتروني الموحد. كما أن طريق عطبرة – الخرطوم يحتاج تأهيلاً عاجلاً ليكتمل عقد الأمان للمسافر.

تطمح إدارة الميناء إلى إدخال نظام التذاكر الذكية، وتركيب كاميرات مراقبة شاملة، وإنشاء فندق ملحق لركاب الترانزيت. الهدف أن يكون “واجهة حضارية” تليق بعطبرة وبإنسانها.

: أكثر من محطة
الميناء البري لعطبرة ليس مجرد مكان للوصول والمغادرة. هو قصة مدينة ترفض أن تكون على الهامش. هو دليل على أن الخدمة المدنية حين تدار باحتراف، تتحول إلى مصدر كرامة للمواطن.

كل بص يغادر محملاً بالأحلام، وكل بص يصل محملاً بالأهل، هو تأكيد أن الحياة تعود، وأن عطبرة ستبقى دوماً “محطة الوطن الكبير”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى