
في خضم التحديات الجسام التي خلفتها الحرب، ووسط ركام مؤسسات ترنحت بفعل الدمار والنزوح، برز اسم الأستاذ مرتضى البيلي، أمين عام حكومة ولاية الجزيرة، كأحد أبرز الأركان التي اتكأت عليها الولاية في مسيرة التعافي. لم يكن الرجل مجرد موظف يدير دولاب العمل من مكتبه، بل تحول إلى دينمو ميداني، يحمل هم الولاية في ترحاله بين الوزارات، ومقار المنظمات، ومواقع العمل.
. إدارة الأزمة: من إطفاء الحرائق إلى التأسيس
تولى البيلي مهامه في ظرف بالغ التعقيد. مؤسسات حكومية متوقفة، خدمة مدنية مشلولة، ونزوح كثيف ضغط على مدني وريفها. كان التحدي الأول هو إعادة الروح إلى جسد الجهاز التنفيذي.
عُرف عن الرجل اعتماده على “غرفة الطوارئ المفتوحة”، حيث لا تغلق أبواب مكتبه أمام مدير أو مواطن. أشرف بنفسه على تنسيق الجهود بين الوزارات لضمان انسياب الحد الأدنى من الخدمات، خاصة المياه والكهرباء والصحة. ويشهد له العاملون بأنه أول من يصل وأخر من يغادر، في وقت كان فيه العمل الحكومي يقاس بالساعات لا بالنتائج.
ملف الإعمار: هندسة العودة
أدرك أمين عام الحكومة أن التعافي لا يتم بالشعارات. لذا، قاد حراكاً مؤسسياً لوضع “مصفوفة إعادة الإعمار العاجل”، التي حددت الأولويات بدقة: تأهيل المستشفيات، صيانة الطرق، تشغيل محطات المياه، واستئناف الموسم الزراعي.
في ملف الطرق، كان له دور محوري في الدفع بمشروع تأهيل طريق مدني – المناقل، وطريق مدني – سنار، عبر تنسيقه المباشر مع وزارة المالية الاتحادية والمانحين. أما في القطاع الصحي، فتابع شخصياً عمليات إعادة تشغيل مستشفى ود مدني التعليمي، ومركز الجزيرة للقلب، وفتح قنوات مع القطاع الخاص لسد النقص.
. الزراعة: معركة الأمن الغذائي
الجزيرة هي سلة غذاء السودان، والبيلي يدرك أن تعطل مشروع الجزيرة يعني جوعاً للبلاد كلها. لذلك، ترأس “اللجنة العليا لإنجاح الموسم الزراعي”، وخاض معارك إدارية لتوفير التمويل والوقود والتقاوي. اجتماعاته مع البنك الزراعي والري لم تنقطع، وزياراته الميدانية للقنوات والغيط لم تتوقف.
بفضل هذا الجهد، تم إنقاذ مساحات مقدرة من العروة الصيفية، وبدأت التحضيرات للشتوية رغم كل المعوقات. المزارعون في أقسام المناقل والحرقة يتحدثون عن “مسؤول يسمع ويتابع ولا يكتفي بالتقارير”.
العمل الإنساني: جسر بين الحكومة والمنظمات
أجاد البيلي إدارة ملف العلاقة مع المنظمات الدولية والوطنية. فتح مكتبه لمفوضية العون الإنساني، ونسق لتسهيل دخول الإغاثة، وحرص على توجيهها نحو المناطق الأكثر هشاشة. كما كان له دور في توطين آلاف الأسر النازحة في مراكز الإيواء، وتوفير الخدمات الأساسية لها بالتعاون مع المجتمع المحلي.
سمات القيادة: الحزم والهدوء
يُجمع من عملوا مع مرتضى البيلي على أنه يجمع بين صرامة الإداري وحكمة القائد. لا يعرف المجاملة في الحق، ولا يؤجل قراراً يمس حياة المواطن. يعتمد على المعلومة الدقيقة، ويتخذ القرار بعد الاستماع لكل الأطراف. هدوؤه في إدارة الأزمات منح العاملين معه ثقة، وأعطى رسالة للمواطن بأن الدولة لم تغب.
خاتمة: رجل المرحلة
إن ما يقوم به الأستاذ مرتضى البيلي ليس ترفاً إدارياً، بل هو واجب وطني في مرحلة مفصلية من تاريخ الجزيرة. فالتحديات أكبر من الأشخاص، لكن الأشخاص المخلصين هم من يصنعون الفارق.
ولاية الجزيرة اليوم تخطو بثبات نحو التعافي، وفي قلب هذا الحراك تقف أمانة الحكومة كعقل منظم ويد منفذة. والتاريخ سيسجل للرجال الذين حملوا الأمانة حين عزّ من يحملها.




