مقالات

معاوية السقا يكتب : أم درمان في الظلام.. والبعوض يحكم المدينة

حين يتحول الليل في أم درمان من سكنٍ وطمأنينة إلى ساحة حرب يومية مع الظلام والبعوض، فاعلم أن المدينة دخلت مرحلة “الخذلان الإداري”. انقطاع الكهرباء لساعات تمتد أحياناً إلى نصف اليوم لم يعد خبراً، بل صار طقساً يومياً يتعايش معه المواطن قسراً. أما البعوض، فلم يعد مجرد حشرة موسمية، بل صار “الوالي الفعلي” لأحياء المدينة بعد المغيب.

ما معنى أن تعيش أم درمان، المدينة التاريخية، والثقل السكاني والاقتصادي، على جدول قطوعات أقرب إلى “العقاب الجماعي”؟ البيوت تتحول إلى أفران صامتة، المرضى على أجهزة التنفس يترقبون عودة التيار كمن يترقب عودة الروح، والطلاب يذاكرون على ضوء الهاتف الذي يفرغ قبل أن تكتمل المراجعة.

السيد الوالي يخرج في التصريحات متحدثاً عن “التنمية” و”تطبيع الحياة”، فعن أي حياة نتحدث والتيار غائب عنها؟ كيف تُطبع الحياة في مدينة تُطفأ كل مساء؟ التنمية لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ بلمبة تضيء شارعاً، ومروحة تُخفف عن طفل، وثلاجة تحفظ دواءً. الكهرباء ليست ترفاً، هي الحد الأدنى لكرامة الإنسان. والفشل في تأمينها هو الفشل في أبجديات الحكم.

إذا كانت الكهرباء تقطع النور، فالبعوض يقطع النوم والصحة معاً. حملات الرش موسمية، خجولة، بلا أثر. كأن المسؤولين ينتظرون أن يملّ البعوض ويهاجر من تلقاء نفسه.

النتيجة: الملاريا تحصد الأجساد، خاصة الأطفال وكبار السن. المستشفيات تستقبل الحالات بالعشرات، والفاتورة يدفعها المواطن من صحته وماله. أين خطة الطوارئ؟ أين إدارة الصحة؟ أين الوالي الذي من صميم مسؤولياته حفظ البيئة وصحة الناس؟ الصمت هنا ليس حكمة، بل تواطؤ مع الكارثة.

يخرج إلينا الخطاب الرسمي محملاً بعبارات “نتابع”، و”وجهنا”، و”نشدد”. لكن أم درمان لا تحتاج إلى لغة البيانات، بل إلى فعل على الأرض. المواطن لا يأكل البلاغات، ولا يشرب التطمينات. يريد أن يرى مولدات الطوارئ تعمل، وعربات الرش تجوب الأحياء، وجدول القطوعات يُحترم ويُعلن بشفافية.

الوالي هو رأس السلطة التنفيذية في الولاية. حين يغرق المواطن في الظلام ويُنهش من البعوض، فالسؤال لا يُوجه لمدير الكهرباء وحده، ولا لمفتش الصحة وحده. السؤال يُرفع إلى من انتُخب أو كُلف ليكون راعياً لمصالح الناس. الهيبة لا تُصنع بالمواكب، بل تُصنع بقدرة المسؤول على حل أبسط مشكلات رعيته: النور والماء والصحة.

أم درمان التي قدمت الشهداء، واحتضنت الثورات، وقادت الوعي، لا يجوز أن تُترك لتعيش على فتات الخدمات. انقطاع الكهرباء ليس قدراً، والبعوض ليس قضاءً محتوماً. هما نتيجة مباشرة لتراخٍ إداري، وغياب للمحاسبة، وتبلد في الإحساس بمعاناة الناس.

نقولها بوضوح: معركة “تطبيع الحياة” تبدأ من هنا. من لمبة تضيء، وشارع يُرش، ومسؤول يخرج من مكتبه ليرى بعينه كيف ينام الناس. أما البيانات والوعود، فقد سئمها المواطن حتى شبع. والتاريخ لا يرحم من تقاعس، ولا يذكر إلا من أنار مدينة أو حماها من وباء.

أم درمان لا تطلب معجزات. تطلب الحد الأدنى من الحياة. فهل من مجيب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى