
عطبرة ليست مدينة عادية. هي قلب السودان النابض، ومفترق الطرق الذي إن اختل اختلت البلاد. سكة حديد، وطرق قومية، وبوابة الشرق والشمال والغرب. من يمسك بعطبرة يمسك بمفاصل الوطن. لذلك حين يتحول ميناؤها البري إلى ثغرة مفتوحة في زمن الاستثناء، فالأمر لم يعد فوضى إدارية.. بل خيانة موصوفة للأمن القومي.
في الظروف العادية كان الشحن خارج الأسوار مخالفة. أما اليوم، والبلاد تتنفس على وقع المهددات، والعيون تتربص من كل اتجاه، فهو انتحار جماعي. رصيف بلا بوابة، وحافلات تصطف في العراء، وركاب يصعدون بلا سجل ولا تفتيش ولا سؤال. لا أحد يعرف من ركب، ولا من نزل، ولا ما الذي خبأته الحقائب تحت المقاعد.
والخطر هنا مضاعف. فالمدينة الاستراتيجية التي يمر بها كل شيء، صارت مسرحاً مفتوحاً لعبث غرفة البصات السفرية. غرفة استقوت بمكابرتها، وتجرأت بتحديها لإدارة الميناء، فصارت دولة داخل الدولة تفرض الجباية، وتشرع القوانين، وتبيع الأمن بالجملة. عشرون ألف جنيه إتاوة على كل مركبة تدخل الحرم، ولا أحد يسأل: من فوضكم؟ وأين تذهب الأموال؟ وبأي حق تصادرون سلطة الدولة؟
لكن الأفدح من الجباية، هو باب الخطر المشرع على مصراعيه. ففي زمن تتربص فيه قوى الارتزاق بالوطن، وتتسلل خلايا الغدر كالسرطان في الجسد، يصبح الشحن خارج الميناء دعوة صريحة للفوضى. مطلوب هارب يركب بلا رقيب، وسلاح يعبر بلا تفتيش، وعنصر غريب يختبئ بين المسافرين الأبرياء. كل هذا يحدث تحت سمع وبصر الجهات الأمنية وحكومة الولاية. فأين أنتم؟
أي منطق يقبل أن تكون عطبرة – مفترق الطرق وأم الاستراتيجية – ساحة مستباحة في اللحظة التي تحتاج فيها البلاد إلى كل ذرة ضبط وربط؟ أي عذر يبرر صمت حكومة الولاية وهي ترى القانون يُذبح على رصيف الميناء، وترى هيبة الدولة تُهان أمام مرأى الجميع؟
غرفة البصات اليوم لا تبيع تذاكر فقط، بل تبيع الثغرات. تتحدى الإدارة، وتتجاوز اللوائح، وتضرب بسلطة الدولة عرض الحائط. فمن يردعها؟ من يوقف هذا التغول قبل أن يتحول الرصيف إلى خاصرة رخوة يطعن منها العدو؟
الأمر لا يحتمل المجاملة ولا لغة الدبلوماسية الباردة. المطلوب قرار حاسم يضرب بيد من حديد. إغلاق كل منافذ الشحن الخارجي، وسحب صلاحية الجباية من يد الغرفة، وإعادة هيبة القانون إلى الميناء. فعطبرة ليست حقل تجارب، وأمنها ليس بنداً في مزاد المصالح.
إما أن تتحرك حكومة الولاية والجهات الأمنية اليوم فتستعيد الميناء من قبضة الفوضى، وإما أن تنتظر حتى يأتي الخطر من الرصيف نفسه. وحينها لن ينفع الندم، ولن يشفع الصمت.
فالتاريخ لا يرحم مدينة استراتيجية باعت أمنها بسكوت مسؤوليها. ولا يغفر لحكومة رأت النار تشتعل في بوابتها فأدارت ظهرها واكتفت بالفرجة.




