قضايا وحوادث

أم درمان.. حين يدفن الشبه وينجو الأصل هل عاد عبد العظيم من الموت؟

ام درمان المحور

في مدينة الثورات، حيث يتشابه الوجوه وتختلط الحكايات، وقعت واقعة تهز العقل قبل القلب. أسرة دفنت “ميتاً”، ثم اكتشفت بعد يومين أن “الحي” لا يزال يمشي بين الناس. قصة لا تُصدق لولا أن شهودها جيران، ووثائقها صور، وراويها كادر طبي من مستشفى النو.

البداية كانت سقوط رجل مغشياً عليه في الثورة الحارة الثامنة. نُقل إلى مستشفى النو بلا هوية، بلا اسم، بلا أوراق تثبت من هو. فكان الحل الأخير الذي تلجأ إليه الضرورة: نشر صورته في فضاء التواصل، مناشدين من يعرفه أن يدل عليه.

وهنا دخل الشبه إلى المسرح. أسرة من حي العرب بأم درمان رأت الصورة فارتجف قلبها. الوجه هو الوجه، الملامح هي الملامح. “إنه عبد العظيم” قالوا، وأسرعوا إلى المستشفى يؤكدون النسب ويدفعون ثمن العناية المكثفة. لم يشكوا لحظة. فالشبه أحياناً أقوى من الشهادة.

مات الرجل في العناية. واستلمت الأسرة الجثمان، وأكملت الإجراءات، وحفرت القبر في الثورة الحارة التاسعة، وأقامت العزاء. أُغلق الباب على “الفقيد”، وبدأت الدموع تأخذ مجراها.

لكن الموتى أحياناً يرفضون البقاء في قبور ليست قبورهم. بعد يومين فقط، جاء الخبر الذي يشبه الصاعقة: “عبد العظيم حي يُرزق.. رأيناه في حي العرب”. هرولت الأسرة إلى هناك، فوجدت الأصل يمشي على قدميه، يضحك ويتحدث. أما من دُفن، فكان مجرد شبيه انتحله القدر انتحالاً غريباً.

حينها انقلبت المأساة إلى دهشة، والدهشة إلى سؤال يجلد المنطق: كيف مرّ هذا الالتباس؟ كيف تعرفت الأسرة، ودفعت، واستلمت، ودفنت، وكل ذلك لشخص آخر؟ أين كانت بصمة اليقين حين خان البصر؟ وأين دور المستشفى في التثبت قبل التسليم؟

الواقعة فجرت سيلاً من الأسئلة عن ثغرات التعرف على المجهولين في المشافي. صورة على الميديا لا تكفي، وشبه لا يغني عن البصمة والحمض النووي. فالخطأ هنا ليس مجرد خطأ إداري، بل خطأ وجودي.. دفن إنسان باسم إنسان، وحياة توقفت ظلماً، وقلوب بكت على غير صاحبها.

ناشطون تداولوا صور الشبيهين ومقطع فيديو لكادر طبي من النو يروي تفاصيل الحادثة التي صارت حديث أم درمان. قصة ستُروى للأجيال تحت عنوان: “يوم دفنا الشبه وعاد الأصل”.

فمن يتحمل وزر قبر احتضن غريباً؟ ومن يعوض أسرة بكت مرتين.. مرة على موتٍ لم يقع، ومرة على يقينٍ تهشم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى