مقالات

معاوية السقا يكتب.. اللواء عادل حميدة.. صوت الكرامة الذي سبق البندقية

في زمنٍ اختلط فيه صدى المدافع بصخب الشائعات، وبرز فيه من يتاجرون بالمواقف، كان هناك صوتٌ لا يعرف التردد، يخرج من حنجرة عسكرية متمرسة ليوقظ الغافل ويثبت المتردد. ذلك هو صوت اللواء الركن معاش عادل حميدة، الذي صار مع انطلاق حرب الكرامة بوقاً للوعي، ورمحاً في ظهر المؤامرة.

لم ينتظر اللواء حميدة بياناتٍ رسمية أوامر تحرك، بل بادر بتسجيلاته الصوتية التي اجتاحت الوسائط، لا تبحث عن تصفيق ولا عن منصب، بل عن وطنٍ يوشك أن يضيع. فيها كان يفند مخططات الأعداء قطعةً قطعة، يفك ألاعيبهم الإعلامية، ويفضح أهدافهم الخفية التي تستهدف وحدة السودان قبل أن تستهدف ثكناته. كان صوته تشريحاً للخطر، وتحذيراً من السم الذي يُقدم للشعب في كأس الشعارات.

ولأنه عسكريٌ يعرف قيمة الصفوف قبل الطلقات، كان اللواء عادل حميدة أول من نادى صراحةً بالمقاومة الشعبية، وطالب بمساندتها للجيش الوطني. لم يرها “حشداً عفوياً” بل رآها عمقاً استراتيجياً، وسداً بشرياً يحمي ظهر القوات المسلحة حين تضيق بها المسافات. نادى بها حين كان البعض يرتجف، ودعمها حين كان البعض يتردد، فكان سباقاً في الرؤية، ثابتاً في الموقف.

لكن عظمة الموقف لا تكتمل إلا بتضحية. فاللواء الذي كان يعلّم الناس كيف يحبون الوطن، قدّم أغلى ما يملك برهاناً على صدق قوله: قدّم ابنه شهيداً في ميادين حرب الكرامة. فلم يكن خطابه مجرد كلمات تُبث في الوسائط، بل دمٌ يسيل في التراب، وعهدٌ يُوثق بالروح. من يُقدم فلذة كبده فداءً للوطن، لا يُشك في صدقه، ولا يُسأل عن دوافعه.

اليوم، حين نستمع لتسجيلاته القديمة، ندرك أنها لم تكن مجرد دعم للقوات المسلحة، بل كانت وثيقة تأسيس لمرحلة جديدة عنوانها: الشعب جيش، والجيش شعب. اللواء عادل حميدة لم يحمل بندقية في هذه الحرب، لكنه حمل وعي أمة، وصاغ بلسانه معنى الكرامة قبل أن تكتبه البنادق بدمائها.

رحم الله الشهيد ابنه، وأطال عمر الأب الذي علّمنا أن القيادة موقف، وأن الشرف لا يُجزأ، وأن حرب الكرامة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بصوتٍ لا ينكسر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى