مقالات

معاوية السقا يكتب : مدن الإنتاج.. حلم المنصوري لتحويل الثروة الحيوانية من رعيٍ إلى نهضة”

في زمنٍ كانت فيه الثروة الحيوانية تُقاس بعدد “القطعان” في الخلاء، جاء من يقيسها بعدد “المصانع” في المدن.

*البروفسور أحمد التجاني المنصوري وزير الثروة الحيوانية والسمكية* لا يتحدث عن مواشٍ تُساق، بل عن اقتصادٍ يُبنى. رؤيته لـ *”مدن الإنتاج”* ليست مشروعاً حكومياً عابراً، إنها فلسفة. فلسفة تقول: كفانا تصدير “الخام الحي” وكفانا أن نكون مورداً للحم ثم مستورداً للجبن.

الرؤية ببساطة عبقرية: أن ننقل الحيوان من المرعى المفتوح إلى “مدينة إنتاج” متكاملة. مدينة لا ينتهي دورها عند الذبح، بل تبدأ منه. فيها المسلخ الحديث، ومعمل الألبان، ومصنع الجلود، ومعمل الأعلاف، ومركز البحوث البيطرية، وسوق الصادر، وكلها تدور في فلك واحد.

يرى المنصوري أن تشتيت هذه الحلقات هو الذي أضاع علينا القيمة المضافة. فالمربي يبيع في السوق، والجزار يذبح في مكان، والجلد يُرمى، والحليب يفسد في الطريق. أما في “مدينة الإنتاج” فكل شيء مرتبط ببعضه. روث البقر يصبح غازاً، والدم يصبح علفاً، والجلد يصبح منتجاً مصدراً.

الوزير لا يهاجم الرعاة، بل يهاجم الفوضى. يقول ضمناً: “العالم لم يعد يحتمل أسواقاً مكشوفة ومذابح تقليدية ونفايات تلوث النيل”. مدن الإنتاج عنده هي الإجابة على ثلاث أزمات دفعة واحدة. أزمة الصحة عبر رقابة بيطرية صارمة داخل المدينة تمنع الأمراض قبل أن تصل للإنسان. وأزمة الاقتصاد بتحويلنا من تصدير عجل بـ 800 دولار إلى تصدير لحوم مبردة وجلود مدبوغة وألبان معلبة بـ 8000 دولار. وأزمة البيئة بمعالجة المخلفات داخل المدينة بدلاً من تركها في الوديان.

ما يميز رؤية المنصوري أنها لا تتعامل مع الثروة الحيوانية كأرقام. هو طبيب بيطري درس في زغرب ولندن وعمل في أمريكا، ويعرف أن “مدينة الإنتاج” تحتاج قبل كل شيء إلى “إنسان منتج”. لذلك تربط الرؤية بين المدينة والجامعات والمعاهد البيطرية، لتخريج جيل لا يرعى فقط، بل يُصنّع ويُصدّر ويُبحَث.

التحدي ليس في الفكرة، فالفكرة ناضجة. التحدي في الإرادة والتمويل. هل نستطيع أن نقنع المستثمر أن يترك “سوق المواشي” ويأتي إلى “مدينة الإنتاج”؟ هل نستطيع أن نوفر البنية التحتية من ماء وكهرباء وطرق؟ هنا تظهر “عبقرية المنصوري” مرة أخرى. هو لا يطلب مالاً اتحادياً فقط، بل يفتح الباب للشراكات والاستثمار الأجنبي، ويحول الوزارة من “جهة جباية” إلى “جهة جاذبة”.

رؤية *د. المنصوري لمدن الإنتاج* هي محاولة جادة لنقل السودان من خانة “دولة ذات ثروة حيوانية” إلى خانة “دولة صناعات حيوانية”. هي محاولة لإنقاذ نهر النيل من التلوث، ولإنقاذ الاقتصاد من التخلف، ولإنقاذ المزارع من الخسارة.

قد لا نراها غداً، لكن إذا نجحت، سنقول بعد 10 سنوات: هنا بدأت النهضة. بدأت حين قرر وزير أن يحبس “القطيع” داخل مدينة.. ليطلق “الاقتصاد” إلى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى