مقالات

شموخ عمر تكتب :حين تغيّر الحرب ملامح القلوب

في السودان لم تكن العلاقات الاجتماعية مجرد روابط عابرة بل كانت روحًا تسري في تفاصيل الحياة اليومية كنا نعيش على قيم راسخة من التكافل والتراحم حيث يعكس المثل الشعبي”عندك خت ماعندك شيل” المليان بصب على الفاضي حقيقة مجتمعٍ يؤمن بأن الخير يُقسم وأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخرين كانت الأسرة سندًا وكان العطاء فعل محبة لا يُنتظر منه مقابل.
لكن حين جاءت الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت والشوارع بل امتدت بصمتٍ إلى أعماق العلاقات فغيّرت ملامحها وأثقلت كاهلها بما لم تعهده من قبل.
أول ما تأثر كان ذلك الترابط الدافئ بين أفراد الأسرة. تفرّق الأحباب بين مدنٍ ودول وأصبحت المسافات لا تُقاس بالكيلومترات فقط بل بما خلّفته من فراغٍ عاطفي وحنينٍ موجع. لم تعد “اللمة” كما كانت ولم يعد اللقاء سهلًافتسلل البرود إلى علاقاتٍ كانت يومًا مليئة بالحياة.
ومع هذا التغيّر برزت معاناة من نوعٍ آخر أكثر هدوءًا وأشد وقعًا معاناة الشخص الذي يحمل على عاتقه مسؤولية إعالة أسرته هذا الإنسان الذي كان يعطي بحب أصبح اليوم يعطي تحت ضغط. لم يعد العطاء دائمًا خيارًا بل واجبًا ثقيلًا لا يمكن التراجع عنه حتى وإن كانت ظروفه لا تسمح.
يعيش هذا المعيل صراعًا داخليًا مرهقًا بين إحساسه العميق بالواجب تجاه أسرته ورغبته المشروعة في أن يبني لنفسه حياة مستقرة. يقدّم ما يستطيع، وربما أكثر مما يستطيع، لكنه في داخله قد يشعر بالإجبار، خاصة حين لا يجد تفهّمًا كافيًا من الطرف الآخر أو حين يرى أن من يعولهم لا يسعون لتغيير واقعهم أو التخفيف من هذا الحمل.
وهنا تتحول المشاعر النبيلة إلى عبء نفسي يتسلل الإحباط ويكبر الإحساس بعدم التقدير ويبدأ ذلك الرابط القوي في التآكل تدريجيًا قد لا يُقال شيء بصوت عالٍ لكن الصمت نفسه يصبح ممتلئًا بالتعب والخذلان.
الحرب إذن لم تغيّر فقط الظروف بل غيّرت طبيعة العلاقات نفسها جعلت من العطاء الذي كان مصدر فخر وسعادة عبئًا يُثقل الروح ووضعت الإنسان أمام معادلة صعبة كيف يظل وفيًّا لأسرته دون أن يفقد نفسه؟
في خضم كل ذلك تبقى الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه الصراعات تُعاش في صمت لا يراها الآخرون ولا تُحكى بسهولة لكنها تترك أثرًا عميقًا في النفوس وقد تعيد تشكيل العلاقات إلى الأبد.

وربما يكون الأمل الوحيد في الوعي… أن ندرك أن الحرب لا تسرق منا الأمان فقط، بل تختبر إنسانيتنا أيضًا. وأن نحاول، رغم كل شيء، أن نحافظ على ما تبقى من دفء العلاقات، بالتفهم، والتقدير، ومشاركة الحمل… لا تركه على كتفٍ واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى