
الثقة التي يتحدث بها بقايا الجنجويد عن العودة إلى أم درمان والخرطوم ليست مجرد أماني مهزوم. هي قراءة باردة في كتاب التجربة، ومحاولة لفتح معركة جديدة بعد أن خسرت المليشيا معركة السلاح. فالذي يعجز عن إسقاط الدولة بالرصاص، يبحث عن إسقاطها بالقانون، وبالسياسة، وبنفس طويل يراهن على النسيان. والعودة لا تشترط المعركة، فثمة أبواب أخرى يدخل منها المهزوم منتصراً إن غفلت عيون الحراس.
الخطر الأكبر لا يكمن في البندقية وحدها، بل في الفكرة التي تحملها البندقية حين تغير ثوبها. فبعد أن فشلت المليشيا في كسر ظهر الدولة عسكرياً، يصبح خيارها التالي هو اختراق الدولة من الداخل. العفو العام والمصالحات واستيعاب المستسلمين يمكن أن تتحول إلى حصان طروادة إن لم تُبن على أسس صارمة. الوجوه تتغير والشعارات تتبدل والقيادات تستبدل، لكن الجوهر يظل هو الجوهر. والجنجويد يبقون جنجويد مهما أديت العصير ألوان. إن الرهان على النسيان رهان خاسر، فالشعب الذي دفع الثمن دماً ودموعاً ونزوحاً لن يقبل أن يرى قاتله بالأمس حاكماً له اليوم تحت عباءة جديدة.
إن أي استسلام لا يبدأ بنزع السلاح الكامل والتفكيك الشامل للبنية العسكرية والاقتصادية للمليشيا هو تأجيل للحرب لا إنهاء لها. استيعاب قوات بكامل عتادها وهياكلها يعني ببساطة الاحتفاظ بالقنبلة في قلب العاصمة مع إعطائها شرعية جديدة. والتاريخ يخبرنا أن المليشيات لا تتوب، بل تعيد التموضع. إن عادوا اليوم بعفوٍ أعمى، فسنحاربهم غداً، والبلاد التي انهكها القتال لن تحتمل جولة أخرى من النزيف. إن ظهر الدولة قد انحنى كثيراً، وكسره مرة أخرى يعني السقوط الكامل.
العفو سلطة تمارسها الدولة لا حق ينتزعه المجرم. وهو لا يعني صك غفران سياسي يمنح القتلة والمغتصبين والنهابين صعوداً على أشلاء الضحايا. العفو يكون لأولئك الذين غُرر بهم، للأطفال الذين جُندوا، للبسطاء الذين أجبرهم الجوع أو الخوف على حمل السلاح. أما من خطط وأمر وقتل واغتصب وأحرق، فمكانه الطبيعي هو قاعات المحاكم لا مقاعد السلطة. إن تكريم المجرم ومنحه المزيد من النفوذ والسلاح هو رسالة مدمرة لكل مواطن مفادها أن الجريمة طريق مختصر للمجد. وهذه هي بداية النهاية لأي دولة تحترم نفسها.
لقد تعلم السودانيون الدرس بقسوة. رأوا كيف تمددت المليشيا تحت لافتات الدعم والحماية حتى كادت أن تبتلع الدولة كلها. لذلك فإن الحذر اليوم ليس ترفاً، بل هو واجب وطني. أي محاولة للعودة تحت أي مسمى يجب أن تخضع للفرز الدقيق. هل هذا تائب صادق يريد أن يعيش كمواطن، أم هو التفاف تكتيكي لاستعادة الأنفاس وانتظار الجولة القادمة. إن عبارة “كأنك يا زيد لا رحت لا جيت” تلخص المأساة كلها. فإذا كانت نهاية الحرب هي عودة الجلاد ليحكم، فما جدوى الدماء التي سُفكت، والمدن التي دُمرت، والأرواح التي أُزهقت. إن ذلك لن يكون انتصاراً، بل سيكون تأجيلاً للهزيمة.
الحل لا يكمن في الرفض المطلق الذي يغلق باب العودة أمام من يستحق، ولا في القبول المطلق الذي يفتح الباب على مصراعيه للذئب واللص. الحل في شروط صارمة لا تقبل المساومة. لا عفو دون عدالة انتقالية حقيقية تبدأ بالمحاسبة وجبر الضرر وكشف الحقيقة، فالمظلوم يجب أن يرى حقه قبل أن يُطلب منه العفو. ولا استيعاب دون تفكيك كامل يبدأ بنزع السلاح ويمر بحل كل الهياكل الموازية وينتهي بتسريح حقيقي وإعادة دمج فردية لا جماعية. ولا مصالحة تُفرض فوق دماء الناس، فأصحاب الدم هم أصحاب القرار، لا الساسة في الغرف المغلقة. والقانون يجب أن يعلو فوق الجميع، فالمجرم يُقدم لمحاكمة عادلة، والتائب الصادق يجد فرصة ليحيا كمواطن لا كقائد.
المعركة القادمة هي معركة وعي وقانون وذاكرة. معركة لمنع سرقة النصر بالسياسة بعد أن ضاع بالسلاح. إن هذا الوطن قد دفع الفاتورة مضاعفة، ولن يقبل أن يدفعها مرة أخرى في صورة وهم اسمه السلام بينما هو استسلام مقنع. إن العيون مفتوحة، والذاكرة حية، والشعب الذي صمد في وجه العاصفة لن يسمح بأن يُهزم بالحبر الذي كُتب به العفو. إن الكرامة التي قاتل من أجلها السودانيون لا تقبل القسمة، ولا تحتمل عودة القاتل مكرماً.




