مقالات

شموخ عمر تكتب : الخرطوم نموذجا للخذلان حين تصبح العودة عقابا

في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعارات العودة إلى الخرطوم واستئناف الحياة المدنية يجد المواطن نفسه أمام واقع لا يمت لتلك الدعوات بصلة
العودة التي كان يفترض أن تعني الاستقرار تحولت إلى رحلة يومية من المعاناة حيث تغيب أبسط مقومات الحياة ويترك الناس لمواجهة مصيرهم بإمكانيات شبه معدومة

أول ما يصدم العائدين هو الكهرباء لم تعد المشكلة في القطوعات فقط بل في ضعف التيار نفسه حتى بات عاجزا عن تشغيل ثلاجة تحفظ الطعام أو مكيف يخفف لهيب الحر في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لاستقبال صيف قاس بطبيعته ستصبح الحياة داخل المنازل أقرب إلى معاناة مفتوحة لا راحة فيها ولا بدائل
ورغم هذا الواقع تمضي الحكومة في دعواتها للعودة دون أي تجهيز حقيقي للبنية التحتية لا مياه مستقرة لا وقود لا غاز لا مواصلات ولا حتى توفر منتظم للادوية و للسلع الأساسية والأكثر إيلاما ان هذه الدعوات تتزامن مع فرض جبايات ورسوم وكأن المواطن مطالب بالدفع مقابل (لا شيء) وهنا يبرز سؤال مشروع إذا كانت خزينة الولاية تعاني من الفراغ فكيف كانت تدار شؤونها قبل أن يطلب من الناس العودة؟ ولماذا يتحمّل المواطن عبء هذا العجز وهو الذي فقد ممتلكاته وتعرض للنزوح والتشريد؟
المشهد يصبح أكثر قسوة عندما نقترب من شريحة الطلاب خاصة طلاب الشهادة الثانوية هؤلاء الذين يفترض أن يعيشوا مرحلة التركيز وبناء المستقبل يجدون أنفسهم يدرسون في ظروف إنسانية قاسية ظلام حر ضغط نفسي وانعدام بيئة تعليمية حقيقية على الرغم أنهم الحلقة الأضعف والأكثر حاجة للدعم
أما طلاب الجامعات فهم ربما الاكثر مأساوية في هذه الصورة في الوقت الذي يفترض أن يكونوا فيه في بداية عمر الشباب مفعمين بالطموح والاحلام تحوّلوا إلى اشباح بلا روح بلا افق ولا ملامح واضحة للمستقبل لا استقرار لا تعليم منتظم ولا أمل قريب أحلامهم التي كانت تتشكل أصبحت مؤجلة… أو ربما منطفئة
دفعوا قسرا للعودة وكأنهم كبش فداء لواقع لايرحم
ولا يقل عنهم معاناة الموظفون الذين إجبر كثير منهم على العودة تحت التهديد بفقدان الوظيفة عادوا ليواجهوا واقعا اقتصاديا ومعيشيا أشد قسوة بمرتبات لا تواكب الحياة أصلا وبلا خدمات تسندهم
موظف ومواطن بلا خدمات في معادلة لا يمكن أن تستمر دون انفجار
ثم يبرز السؤال الأهم هل لدى الجهات المسؤولة تصور حقيقي لما سيحدث إذا عاد الناس فعلاً بأعداد كبيرة؟ في ظل هذا الشح ستتحول المدينة إلى كتلة ضغط سكاني هائل تتضاعف فيه الأزمات وتضيق فيه سبل العيش لن تكون عودة بل اكتظاظا بالمعاناة مدينة أشبه بسجن كبير الناس فيه مجبرون مقهورون ومحرومون من أبسط حقوقهم
إن العودة ليست قرارا إرداريا يفرض ولا تبني على النداءات وحدها بل على تهيئة الظروف والمقومات والحد الادني من الخدمات التى تحفظ الحياة والكرامة الإنسانية وما يحدث اليوم في الخرطوم ليس عودة بقدر ما هو دفع قسري نحو واقع غير انساني يدفع ثمنه المواطن البسيط وحده .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى