مقالات

رمضان محجوب.. يكتب: ​أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة 56) ​تبلد الوجدان…!!

​▪️ مشاهد مفجعة تلك التي عايشناها ولا زلنا بسبب حرب المليشيا.. شاهدنا كيف كان يتسرب الموت إلى تفاصيل الناس في أزقة الأحياء المنكوبة ببطء وثقل، حتى تتحول أخبار الفواجع وسقوط الأرواح إلى أرقام عابرة تتلقاها الأسماع بلا اكتراث صباح مساء. وينكسر بمرور الوقت ذلك السياج الحساس الذي كان يرتجف يوماً لمجرد سماع فاجعة تصيب الحي أو الجار، لتفقد النفس بشاعة الحدث وتستبدل بها آليات دفاعية قاسية تقبل الرضوخ للواقع.
▪️ لم يكن هذا التبلد وليد الصدفة أو ترفاً طارئاً، بل هو نتاج مباشر لتلك الحرب الشعواء التي فرضتها المليشيا على الوطن والمواطن، والتي استهدفت تدمير طمأنينة الإنسان السوداني وتحويل حياته المستقرة إلى جحيم. وأصبح ارتياد الموت والصمت على الانتهاكات جزءاً من روتين العيش الإلزامي الذي لا مفر من مجاراته لكي يستمر القلب في النبض وسط غابات الخوف والترقب التي تلتف حول الأعناق.
▪️ هذا الانكسار العميق في الوجدان يمهد الطريق أمام خطر فادح يتمثل في التعود على انتهاك الحرمات وتطبيع القسوة في الشارع والبيت، فيمشي الناس بين الأنقاض والدماء المراق وكأنها ديكورات عادية لمسرحية عبثية لا تنتهي. وتتجلى مظاهر هذا السقوط في تآكل القيم المجتمعية التقليدية التي كانت تحمي تلاحم الجيران وتحفظ ماء وجه العشيرة في أشد المحن وأقساها.
▪️ خرصت الألسنة وخفتت أصوات الضمير العام أمام مشاهد الفظائع والانتهاكات المتكررة، ليس رضاً بما يحدث، بل استسلاماً مخدراً لبلادة روحية تجعل الإنسان عاجزاً عن الدهشة أمام هول السقوط من حوله في كل زاوية. ويتجلى الجانب المظلم لهذا التعود بوضوح في تآكل الأنساق الأخلاقية للمجتمع؛ فنرى كيف يمر خبر اعتداء أو قتل مرور الكرام دون أن يهز أركان الحي أو يوقظ غضباً حقيقياً وكأن شيئاً لم يكن.
▪️ تتجلى شواهد هذا السقوط في تبدّل ردود أفعال الناس تجاه عودة الجثث الملقاة في الطرقات أو استباحة البيوت، حيث يتحول الأمر إلى مادة للنميمة العابرة أو الصمت المطبق خوفاً أو تعباً، لتنطفئ شعلة التعاطف الفطري ويصبح الإنسان كائناً بيولوجياً يسعى للبقاء بصورة آلية تتجرد من كل معاني النبل والمروءة.
▪️ وينعكس هذا الانحدار الخطير على الأجيال الجديدة حين يتربى الصغار في بيئة تعودت على سماع دوي الموت، ويظهر هذا الظلام بوضوح في اعتياد أطفالنا على مشاهد السلاح والدمار كجزء من لغتهم اليومية وألعابهم. وهو مؤشر مرعب ينذر بإنتاج أجيال ممسوخة الوجدان.. أجيال ترى في العنف لغة وحيدة للتخاطب وفي الموت نهاية طبيعية لمسيرة عيش بلا معنى أو كرامة إنسانية صانة.
▪️ وهذا الانحدار الجيلي هو الثمن الباهظ الذي تدفعه أجيال السودان القادمة نتيجة كابوس حرب المليشيا التي زرعت الخراب في عقول الصغار، بعدما حاولت تبديد ملامح الطفولة الآمنة لصالح واقع دموي يحيط ببيوتنا وأرواحنا دون هوادة. وأمام هذا المدمر النفسي ستتكسر كل السدود الأخلاقية، ليجد الناشئ نفسه غارقاً في مستنقع من القسوة التي لا تفرق بين صغير وكبير، لتغدو لغة السلاح المرجعية الوحيدة في فض النزاعات وحل الإشكالات البسيطة.
▪️ ومع ذلك يشع من وسط هذه العتمة والمتاهة بصيص النور دائماً من ومضات استعادة البصيرة التي تتجلى حين يكسر أحدهم هذا الصمت بصرخة مدوية، أو حين يتطوع شاب لدفن ميت بلا أهل باحتفاء يليق بكرامة البشر التي أهدرتها آلة العنف العمياء. وتتمثل هذه الومضات في تلك المواقف النبيلة لأناس أصروا على حماية جيرانهم رغم خطر الموت، مقدمين أرواحهم دروعاً بشرية لستر أعراض الناس وحفظ كرامتهم وسط ليل الظلم البهيم والمخيف.
▪️ تضيء الروح المفجوعة حين نرى امرأة تتقاسم كسرة خبزها مع نازح غريب طرق بابها بلا معرفة، أو طبيباً يعمل بصمت في مستشفى متهالك لينقذ جريحاً أهمله الجميع، مذعنين لنداء الضمير الحي الذي يأبى الاستسلام لبلادة الموت الجماعي. وفي مشهد موازٍ، بادر مجموعة من شباب الأحياء بجمع التبرعات لشراء دواء منقذ لحياة مريض، متحدين الظروف القاسية ليثبتوا أن التكافل لا زال حياً.
▪️ هذه الأمثلة الحية تذكرنا بأن الخير كامن في أعماق هذا الشعب العريق، وأنه مهما اشتدت عتمة الانكسار وتبلدت الأحاسيس، فإن جذوة الإنسانية تظل قادرة على اختراق جدار اليأس السميك. كنا ولا زلنا نرى كل يوم شواهد لرجال ونساء يرفضون الانكسار التام، ويصنعون من رحم المعاناة مسالك للرحمة والتراحم تتحدى جبروت الطغاة وتثبت أن الروح السودانية الأبيّة لا تموت بسهولة مهما بلغ حجم الاستهداف.
▪️ الرسالة العريضة التي ينبغي لكل السودانيين قراءتها وحفظها عن ظهر قلب: “لا تعتادوا على الموت ولا تألفوا وجه القسوة في مرايا أيامكم، فإذا ماتت الدهشة في عيوننا ومات معها حزننا على الإنسان، فقد خسرنا المعركة الأكبر التي لا تقتصر على الأرض وحدها بل تمتد لروح السوداني الأصيل الذي عُرف بالرحمة والنخوة.. لا تتركوا لأرواحكم أن تتبلد أمام مشهد الخراب الممتد؛ فبقايا دهشتنا ودموعنا الحرى هي السلاح الأخير الذي نحمي به بقاءنا بشراً أصحاء في زمن يحاول أن يسحق آدميتنا”.
▪️ والحفاظ على رقة القلب واستعادة القدرة على البكاء بحرقة هو آخر ما يتبقى لنا من ملامح الإنسانية في وجه حرب تبغي تجريدنا من كل ما يعلّقنا بالحياة والأمل، وتفرغنا من محتوانا القيمي والأخلاقي النبيل.
▪️ صخرة القسوة ستتكسر حين نتذكر أن الدم الحرام ليس مجرد إحصائية جافة في دفاتر العزاء، بل هو كون مصغر من الأحلام والأمهات والذكريات الجميلة التي سحقتها سنابك الجهل والعدوان بلا مبرر.
▪️ من هنا فإن اليقظة الوجدانية تتطلب منا ثورة داخلية مستمرة ضد تبلد الحواس، ومقاومة يومية لكل محاولات تدجين الروح على قبول المذلة والمهانة والاعتياد على مشاهد الموت المجاني التي تحيط ببيوتنا وأرواحنا. والتسامح مع القسوة هو بداية الانهيار الكامل لكيان المجتمع، ومقاومة هذا الموت المعنوي تبدأ من رفضنا القاطع لتطبيع الفواجع واعتبارها قدراً محتوماً لا مفر من التعايش معه بسلبية مطلقة.
▪️ لن تنكسر شوكة هذا التبلد إلا بوقفة صادقة مع النفس نعيد فيها بناء جسور التعاطف والمحبة مع محيطنا المتألم، مستندين إلى إرث روحي وتاريخي يرفض الظلم والاستسلام. فاستعادة ملامحنا الإنسانية تتطلب تضافر الجهود الشعبية والفردية لإحيائها من جديد عبر التذكير الدائم بفضائل التراحم والتآزر، ورفض كل ممارسات التوحش التي تحاول محو هويتنا السمحاء التي عُرفنا بها عبر الأجيال.
▪️ عموماً.. تبقى شعلة الأمل متوهجة بانتظار فجر جديد تشرق فيه شمس العدالة والسلام على ربوع الوطن الحبيب، ليعود السودان جديراً بأبنائه الأوفياء الذين قاوموا الموت بالحياة والخراب بالبناء. فمهما طال ليل العتمة وقسوة الانكسار، فإن صدى الأرواح الحية يظل يتردد في كل زاوية ليؤكد أن هذا الشعب العظيم سيظل قادراً على النهوض من تحت الأنقاض ليصنع مجده الجديد بوعي وإرادة لا تلين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى