
في جلسة جديدة لمجلس الأمن الدولي حول السودان، برزت مواقف لافتة من روسيا وباكستان، حملت رسائل سياسية وقانونية مهمة بشأن طبيعة الصراع الدائر في السودان، والفارق الجوهري بين القوات المسلحة التابعة للدولة وبين مليشيا مسلحة تتمرد على السلطة الشرعية وتستهدف المدنيين والبنية التحتية.
الموقف الروسي جاء واضحاً في توصيفه لطبيعة العمليات العسكرية إذ أشار مندوب روسيا إلى أن الحكومة السودانية تستخدم سلاح الجو لضرب أهداف عسكرية في إطار محاولتها إخماد تمرد داخل البلاد، بينما تستهدف قوات الدعم السريع المدنيين والبنية التحتية المدنية.
وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها، لأن الحرب لا تُقاس فقط بصوت المدافع والطائرات، وإنما كذلك بطبيعة الأطراف المتحاربة وأهدافها وسلوكها تجاه المدنيين والقانون الدولي.
أما الموقف الباكستاني فقد وضع القضية في إطار أكثر وضوحاً، عندما دعا مجلس الأمن إلى التمييز بين جيش وطني لدولة ذات سيادة وبين مليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية.
وهنا تكمن جوهر القضية السودانية.
فالقوات المسلحة السودانية ليست تنظيماً عابراً للحدود ولا مجموعة مسلحة ظهرت خارج مؤسسات الدولة إنها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة السودانية، صاحبة الاختصاص الدستوري في حماية البلاد والدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها.
وفي المقابل، فإن وجود قوات مسلحة موازية خارج منظومة الدولة يمثل، في جوهره، تحدياً خطيراً لمفهوم الدولة الحديثة، خصوصاً عندما يتحول الخلاف السياسي إلى تمرد مسلح، وتنتقل المعركة إلى المدن والقرى والأسواق والمستشفيات ومرافق المياه والكهرباء والمطارات والمنشآت المدنية.
ولذلك فإن حديث موسكو وإسلام آباد أمام مجلس الأمن ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مجرد مواقف دبلوماسية عابرة، بل باعتباره إشارة إلى ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية وفق توصيف دقيق للأطراف، لا وفق مساواة آلية بين مؤسسة الدولة ومليشيا متمردة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى بيانات دولية متوازنة شكلاً ومتناقضة مضموناً بل يحتاج إلى موقف دولي واضح يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون، ويفرق بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والمليشيات والجماعات المسلحة من جهة أخرى.
وفي نهاية المطاف، فإن السلام الحقيقي لا يبدأ بتزييف الحقائق ولا بإخفاء الفوارق بين الأطراف، وإنما يبدأ بالاعتراف بطبيعة الأزمة، وتجفيف منابع السلاح والتمويل الخارجي، ومحاسبة من استهدف المدنيين، وتهيئة الطريق أمام دولة سودانية واحدة وجيش وطني واحد وسلطة قانون واحدة.
حين يبدأ المجتمع الدولي في التفريق بين الجيش الوطني والمليشيا، يصبح النقاش أكثر واقعية. وحين توضع جرائم استهداف المدنيين والبنية التحتية تحت ميزان القانون، فإن الطريق إلى السلام يصبح أقرب من طريق المساواة بين من يحمي الدولة ومن يسعى إلى تفكيكها.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة




