
كشفت هيئة مياه ولاية الجزيرة عن خطة تشغيلية واسعة تستهدف إحداث نقلة نوعية في ملف الإمداد المائي، عبر حفر أكثر من مئتي بئر، وتشييد عشرات المحطات المدمجة، وتأهيل مئات الكيلومترات من شبكات المياه المتهالكة، ضمن حزمة متكاملة تشمل الطاقة الشمسية وحصاد المياه والحفائر.
ترأس الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير، والي ولاية الجزيرة، صباح اليوم بوزارة التخطيط العمراني بود مدني، اجتماع مجلس هيئة مياه الولاية، ووجه المدراء التنفيذيين بالمحليات بالالتزام الصارم بإنفاذ الخدمات، مع إيلاء المناطق الطرفية المتاخمة لولايات الجوار أولوية خاصة في خطط التنفيذ.
وشدد الوالي على ضرورة إنفاذ مشاريع الحفائر والمحطات المدمجة، وتفعيل برامج حصاد المياه باعتبارها صمام أمان في مواسم الجفاف، داعياً إلى الإسراع في تنفيذ المنحة السعودية المخصصة لحفر خمس وعشرين بئراً قبل نهاية العام الجاري، والتنسيق مع الخيرين والمنظمات الطوعية في إنفاذ برامج السقيا، في إشارة واضحة إلى تكامل الجهد الرسمي والشعبي لمواجهة العطش.
من جانبه، أعلن المهندس أبو بكر عبد الله، مدير عام وزارة التخطيط العمراني والإسكان والمرافق العامة الوزير المفوض، عزم وزارته على معالجة مشاكل المياه في كل أنحاء الولاية والوصول لنسبة تغطية تبلغ مائة بالمائة بنهاية العام الحالي، مؤكداً أن الخطة وُضعت لسد الفجوة التاريخية في الإمداد، خاصة في الريف الذي عانى طويلاً من شح المياه رغم مجاورة النيل.
وكشف المهندس بدر الدين عبد الله، مدير هيئة مياه الولاية، عن مكونات الخطة التي تشمل حفر مئتين وأربع آبار جديدة لزيادة مصادر الإنتاج، وتركيب مئات من منظومات الطاقة الشمسية لضمان استدامة التشغيل وخفض كلفة الوقود، إلى جانب إنشاء عدد كبير من الصهاريج لرفع السعات التخزينية، وتشييد محطات مدمجة تجمع بين الحفر والتنقية والضخ في موقع واحد لخدمة القرى المتوسطة.
وتتضمن الخطة كذلك تنفيذ حفائر لتخزين مياه الأمطار وخدمة الرحل والثروة الحيوانية في المناطق خارج الشبكة، إضافة إلى تأهيل أكثر من ألف كيلومتر من شبكات المياه المتهالكة التي تتسبب في فاقد كبير، وتركيب غرف تحكم ومعامل مركزية لضبط جودة المياه وضمان سلامتها.
تأتي هذه الخطة في وقت تعترف فيه الولاية بأن العطش صار مهدداً للأمن والاستقرار، لا سيما في الأطراف التي شهدت موجات نزوح وتوترات على الموارد. واللافت في الخطة الجديدة هو التركيز على الطاقة الشمسية لتحرير محطات المياه من ابتزاز الوقود وتذبذب الإمداد الكهربائي، والاعتماد على المحطات المدمجة كحل هندسي يختصر الزمن والكلفة، والعودة إلى حصاد المياه كخيار استراتيجي لمواجهة تقلبات المناخ.
الرهان الحقيقي ليس في ضخامة الأرقام، بل في عدالة التوزيع وسرعة التنفيذ. فالمناطق الطرفية التي أشار إليها الوالي هي الأكثر احتياجاً والأقل صوتاً، ونجاح الخطة يُقاس بوصول الماء إلى أبعد قرية، لا بافتتاح محطة في مركز المدينة. كما أن المنحة السعودية تمثل اختباراً لقدرة الجهاز التنفيذي على تحويل الدعم إلى واقع ملموس قبل نهاية العام.
إن إعلان هيئة مياه الجزيرة عن هذه الخطة هو إعلان أن الولاية بدأت تتعامل مع الماء كقضية أمن قومي، لا كخدمة بلدية. فالماء هو الاستقرار، وهو الإنتاج، وهو الكرامة. والطريق إلى التغطية الكاملة يتطلب حفراً وتأهيلاً وطاقة نظيفة وعدالة في التوزيع وشراكة حقيقية مع المجتمع.
والماء الذي حُرمت منه قرى الجزيرة لسنوات، آن له أن يعود. لا كمنحة، بل كحق أصيل.




