المجتمع

معاوية السقا يكتب مستر آدم محمد إبراهيم.. حين يصير مشرط الجراح قصيدة في جسد الوطن اختصاصي الجراحة بود مدني الذي علّم الألم كيف ينسحب بهدوء

في مدينةٍ ينساب فيها النيل كما تنساب الحكايات، وينام التاريخ على كتف القطن، يقف رجلٌ أبيض المعطف، أسمر اليدين، يحمل في عينيه شيئاً من صبر الأرض، وفي أصابعه شيئاً من دقة الخالق. هو مستر آدم محمد إبراهيم، اختصاصي الجراحة بمستشفيات ود مدني، الذي صار اسمه مرادفاً للطمأنينة، وصار حضوره في غرفة العمليات وعداً بالحياة.

ليس مستر آدم مجرد طبيب يحمل مبضعاً. هو مدرسة تمشي على قدمين. تخرّج من رحم المعاناة، وتعلّم الطب حيث يُمتحن الضمير قبل المهارة. في زمنٍ هجر فيه كثيرون المستشفيات الحكومية، اختار هو أن يبقى. وفي وقتٍ صار فيه الطب تجارة، ظلّ هو يراه رسالة. يقول العارفون به إن يده لا ترتجف حين يشتد الخطر، وإن قلبه لا يضيق حين يطول الليل في العناية المكثفة.

ما يميز مستر آدم ليس عدد العمليات التي أجراها، بل تلك التي رفض أن يجريها. فهو يؤمن أن الجراحة الناجحة تبدأ أحياناً بقرار عدم الجراحة. يسمع المريض أكثر مما يفحصه، ويفسر الألم قبل أن يشرّحه. لهذا صار مقصداً للفقير الذي لا يملك إلا الدعاء، وللغني الذي يملك أن يسافر لكنه يختار أن يبقى. فالمهارة عنده لا تتجزأ، والرحمة لا تُباع.

في مستشفى ود مدني التعليمي، تحوّلت عنابر الجراحة في عهده إلى ورشة للتعليم لا تتوقف. يقف وسط تلاميذه من النواب والاختصاصيين الصغار، لا كأستاذ يلقي الدرس، بل كأب يورّث السر. يعلّمهم أن المشرط أمانة، وأن غرز الخيط في جسد إنسان هي عهد مع الله قبل أن تكون مهارة في اليد. وأن المريض ليس “حالة”، بل هو أبٌ ينتظره أطفاله، وأمٌ يبكيها صغارها.

لقد شهدت مدني في السنوات العجاف كيف يصمد الأطباء حين تنهار الجدران. ومستر آدم كان أحد أولئك الذين لم يغادروا. حين انقطع الدواء، كان يداوي بالكلمة. وحين تعطلت الأجهزة، كان يشخّص بالفراسة. وحين خيّم اليأس، كان يهمس للمريض: “ستقوم.. وسنمشي معاً في شارع النيل”. وكثيرون قاموا، ومشوا.

إن الحرب كشفت معادن الرجال، وأظهرت أن البطولة لا تُقاس بحمل السلاح وحده. فهناك بطولة أخرى، بيضاء، صامتة، تُخاض كل يوم على طاولة باردة، تحت ضوء كاشف. بطولة اسمها إنقاذ إنسان من براثن الموت، وإعادة أم إلى أطفالها، ووهب شابٍ فرصة ثانية للحياة.

مستر آدم محمد إبراهيم لم يكتب مذكراته بعد. لكن مرضاه كتبوها بدموعهم. كل ندبة خيّطها تحكي قصة، وكل مريض خرج من عنده صار سفيراً له في المدينة. هو لا يبحث عن الأضواء، ولا يلهث خلف الألقاب. يكفيه أن يُنادى “يا دكتور” في سوق أم سويقو، فتلتفت إليه العيون بالحب، لا بالخوف.

في زمنٍ قلّ فيه الثابتون، يبقى مستر آدم محمد إبراهيم أحد أعمدة ود مدني التي لا تميل. يعلّمنا أن الطب ليس مهنة، بل قدر. وأن الجراح الحقيقي هو من يضمّد جراح وطن كامل بمشرطه، وصبره، وإنسانيته.

وحين يُذكر اسم الجزيرة، ويُذكر الوفاء، ويُذكر من بقي حين غادر الجميع.. سيُذكر اسم مستر آدم. لا كجراحٍ ماهر فحسب، بل كأحد الملائكة الذين اختاروا أن يمشوا بيننا على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى