
المال العام ليس أرقاماً في دفاتر، إنه نبض التنمية. لا تُقاس كفاءة الحكومة بما تجمعه من إيرادات، بل بما تُحسن به توزيعها حيث يشتد العوز وتتسع الحاجة. وفي _ولاية الجزيرة_، أعادت الترتيبات المالية الأخيرة فتح هذا السؤال القديم المتجدد: كيف ندير مواردنا بين مركز الولاية ومحلياتها دون أن نكسر ظهر العدالة؟
لقد انتقلت الولاية إلى نموذج يربط الإيراد بقدرة كل محلية على الإنتاج والتحصيل. وهو نهج يمنح المحليات حرية أوسع في إدارة شؤونها، ويحفزها على تنمية مواردها الذاتية. لكن في المقابل كشف عن وجه آخر للمعادلة: التفاوت. فمحلية غنية بنشاطها الزراعي والتجاري والخدمي تفيض خزانتها، ومحلية أخرى أقل حركة تقف عاجزة أمام تمويل مدرسة أو مركز صحي أو طريق. وبهذا يولد الخطر الصامت: اتساع الفجوة التنموية بين أبناء الولاية الواحدة.
هنا تعود فكرة _الخزانة الموحدة_ كذاكرة مالية راسخة. ليست عودة إلى المركزية المغلقة، بل دعوة لميزان. آلية تجمع ثم توزع، لا لتسلب المحليات استقلالها، بل لتصحح الانحراف. تجارب الدول التي سبقتنا تقول بوضوح: اللامركزية تزدهر حين يقف إلى جوارها مركزٌ يضبط الإيقاع، ويعيد التوزيع وفق ميزان الاحتياج لا وفق قوة الجباية وحدها.
والتحدي اليوم أمام _وزارة مالية الجزيرة_ أكبر من رقم الإيراد. إنه تحدّي الدور. دور المنسق، والموجه، والحارس على أولويات الناس: طريق يوصل الغلال، ومدرسة تفتح العقل، ومستشفى يمسك بالحياة، وحقل يدر الرزق. في هذا السياق تأتي جهود _الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك_، وزير المالية بالولاية، لمعالجة استحقاقات العاملين وفي مقدمتهم المعلمون، كمؤشر على إرادة لضبط الإيقاع المالي والوفاء بالعهد. غير أن هذا المسار لن يكتمل إلا بمساحة مالية أوسع تمنح الوزارة أدوات التنسيق والتمويل، لا مجرد تسديد الفواتير.
لكن الجباية وحدها لا تبني وطناً. الرسوم في زمن الضيق كالنهر في الصيف. نحتاج إلى منابع جديدة: إعادة إحياء الزراعة والصناعة، فتح أبواب الاستثمار، عقد شراكات مع القطاع الخاص تُنتج قيمة حقيقية لا تُثقل كاهل المواطن. نحتاج إلى مالٍ يُولد من الإنتاج لا من الجيب.
لذلك صار لزاماً إعادة النظر في صيغة تقاسم الإيرادات بين الولاية والمحليات. لا مركزية مطلقة تُفك، ولا مركزية جامدة تُخنق. المطلوب توازن رشيد: محليات مستقلة تُبدع في التحصيل، ووزارة قوية تقود السياسة المالية وتمول المشروعات الكبرى.
والأهم من كل ذلك، أن يتحول التوزيع من منطق “من يحصل أكثر يأخذ أكثر” إلى منطق “من يحتاج أكثر يُعطى أكثر”. قواعد واضحة تُقاس بعدد السكان، ومستوى الخدمات، وحجم الفقر، وحالة البنية التحتية، وحجم الإنتاج. هكذا فعلت دول كثيرة طبقت اللامركزية ولم تترك العدالة للصدفة.
_الخلاصة_ أن مستقبل الجزيرة لا يُكتب بحجم ما في الخزينة، بل بكيفية إدارتها. إذا أُعيدت صياغة العلاقة المالية بين الولاية والمحليات، ومُنحت وزارة المالية بقيادة الأستاذ عاطف أبو شوك أدوات فاعلة للتنسيق، مع صون استقلال المحليات وتحفيزها، فإننا سنكون أمام ميلاد نموذج مالي جديد: أكثر استدامة، وأكثر إنصافاً، وأقدر على أن يترجم المال إلى خدمات تمس حياة الناس مباشرة. حينها فقط، تصبح الخزينة العامة ليست صندوقاً، بل جسراً.
–




