التقارير

حين يعود التعاون إلى الجزيرة.. سكرٌ للمواطن وسوطٌ للسماسرة

الطاهر الخير: سننقل السوق إلى الحي ونقطع يد الوساطة

مدني – المحور –

لم يكن مركز البيع المخفض بنادي الجزيرة مجرد سوق، كان مرآة. 1310 جوالات سكر اختفت في ساعات، ليس لأن الناس جشعة، بل لأنها عطشى لسعر عادل. هناك، بين الزحام ونداءات الباعة، فهم والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير الرسالة، فأعلنها: سنعيد التعاونيات إلى الأحياء والمؤسسات والوزارات.
أعلن والي ولاية الجزيرة خلال تفقده اليوم مركز البيع المخفض بنادي الجزيرة، عزم حكومته تفعيل الجمعيات التعاونية بالأحياء والمؤسسات والقطاعات الحكومية، بما يسهم في توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة وتعزيز استقرار الأسواق.

1310 جوال.. الرقم الذي فضح جوع السوق

واستمع الوالي إلى ملاحظات المواطنين والتجار حول حركة البيع، فيما طالب مترددون بتوفير كميات أكبر من السكر وتشديد الرقابة على عمليات توزيعه وبيعه.
وأوضح أحد أصحاب المحال التجارية بالمركز أنه تم بيع أكثر من 560 جوالاً من السكر زنة 10 كيلوجرامات، وأكثر من 750 جوالاً زنة 5 كيلوجرامات، فيما شملت المعروضات سلعاً أساسية أخرى بأسعار مخفضة.
هذا الرقم الكبير في يوم واحد، وفي مركز واحد، يحمل دلالتين مهمتين. الأولى، أن هناك طلباً مكبوتاً وحاجة حقيقية لدى المواطن لسلعة استراتيجية كالسكر بأسعار عادلة بعيداً عن جشع الوسطاء. والثانية، أن تجربة البيع المخفض ناجحة ومطلوبة ويجب تعميمها، وهو ما فهمه الوالي سريعاً بإعلانه عن تفعيل التعاونيات.

لماذا تذكرت الجزيرة تعاونياتها الآن؟
قرار تفعيل الجمعيات التعاونية ليس قراراً إدارياً عادياً، بل هو عودة لنموذج اقتصادي اجتماعي ارتبط بتاريخ الجزيرة نفسها. فالجزيرة التي قام اقتصادها على مشروع الجزيرة التعاوني في الأصل، تعرف جيداً قيمة العمل التعاوني.
تحليلياً، يهدف القرار الذي أعلنه الطاهر إبراهيم الخير إلى تحقيق 3 أهداف استراتيجية: أولاً، تقليل حلقات الوساطة. فالسلعة اليوم تمر من المنتج إلى تاجر الجملة ثم التجزئة ثم السمسار قبل أن تصل للمواطن، وكل حلقة تضيف سعراً. التعاونية تقوم بالشراء المباشر بكميات كبيرة وبيعها بهامش ربح بسيط.
ثانياً، توسيع مظلة البيع المباشر. مركز البيع المخفض بنادي الجزيرة نموذج ناجح لكنه مركزي في مدني. تفعيل التعاونيات في الأحياء والوزارات يعني نقل السوق إلى الحي وإلى مكان العمل وتخفيف الضغط والازدحام وتوفير كلفة الترحيل على المواطن.
ثالثاً، ضبط الأسواق نفسياً. وجود منافس حكومي تعاوني يبيع بسعر عادل يجبر التجار الآخرين على خفض أسعارهم، ويكسر احتكار السلع ويمنع التخزين والمضاربة، خاصة في سلع حساسة كالسكر والدقيق والزيت.

من معرض موسمي إلى مشروع بقاء.. هل تصمد التجربة؟

النجاح الذي حققه مركز البيع المخفض يطرح سؤال الاستدامة. هل تستطيع حكومة الولاية توفير السلع بشكل مستمر وبنفس الأسعار؟ وهنا يأتي دور التعاونيات كحل مؤسسي طويل المدى، وليس كمعرض موسمي.
فالتعاونية الناجحة تحتاج إلى تمويل مستدام، وإدارة رشيدة غير مسيسة، ورقابة شفافة، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص المورد. كما تحتاج إلى حماية من الفساد الذي أجهض تجارب تعاونية سابقة في السودان، حيث تحولت بعض الجمعيات إلى واجهات لمصالح ضيقة.
وأكد الوالي أن تفعيل التعاونيات من شأنه توسيع مظلة البيع المباشر، وتقليل حلقات الوساطة، وتعزيز قدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم بأسعار عادلة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الأسواق ومعاش المواطنين، وهي رسالة طمأنة في وقت يعاني فيه المواطن من تآكل القوة الشرائية بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة جراء الحرب.
إن خطوة والي الجزيرة، إذا ما تم تنفيذها بجدية وشفافية، يمكن أن تتحول من مجرد إجراء إسعافي لبيع السكر المخفض، إلى مشروع اقتصادي اجتماعي يعيد للجزيرة روحها التعاونية، ويعيد للمواطن ثقته بأن الدولة قادرة على التدخل لصالحه، لا ضده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى