منوعات

معاوية السقا يكتب: في حضرة العصا والمدينة النازفة.. قراءة في وجع هاشم محمود

في حضرة العصا والمدينة النازفة.. قراءة في وجع هاشم محمود

العنوان وحده باب واسع إلى تأويل لا ينتهي فالعصا اتكاء وسلطة ورحيل ومقديشو جرح مفتوح في خاصرة القرن الأفريقي بين الاستناد والانكسار تمضي الرواية كمن يمشي على حبل من ذاكرة

هاشم محمود يكتب عن المنفى حين يصير وطناً وعن الوطن حين يتحول إلى حقيبة تعلق على الكتف هو لا يروي حكاية رجل بل يروي سيرة جغرافيا ممزقة بين إريتريا والسودان والصومال حيث الحدود خطوط على ورق بينما الأرواح تمتد كغابة واحدة لا تعترف بحارس

السرد عنده لا يمشي في خط مستقيم لأنه ابن التشظي يبدأ من الرماد ثم يعود إلى الجمر ويعود من الجمر إلى الرماد مرة أخرى الزمن في “عصا مقديشو” زمن نفسي يليق بأناس سُرقت منهم ساعاتهم ودفاتر أيامهم الأصوات تتعدد والرواة يتبادلون الحكاية كما يتبادل اللاجئون رغيف الخبز في العراء

الشخوص لا تحمل أسماء ثابتة دائماً لأن الاسم الأول الذي يمحوه المنفى هو اسمك أنت البطل عابر سبيل وأب وابن ولاجئ ومقاتل قديم هو عصا يتوكأ عليها غيره حتى تنكسر والمرأة في الرواية ليست ظلاً بل هي الأرض حين تضيق الأرض هي التي تخبئ الحكاية في ضفائرها وتشعل البخور كي لا تنسى المدن رائحتها

اللغة عند هاشم محمود تمشي حافية بين الشعر والسرد تارة تكون جملة مقطوعة كأنفاس هارب من رصاصة وتارة تسترسل كترتيلة في ليل أسمرا المزج بين الفصيح والعامي وبعض المفردات الصومالية ليس زينة بل هوية ترفض أن تُصادر التناص مع المقدس ومع الوجد الصوفي يمنح النص طبقة روحية تستر عري الواقع

الرمز يفيض حتى يكاد يصير واقعاً العصا هي الأب الذي مضى والوطن الذي لا يموت والذاكرة التي تأبى أن تشيخ البحر الأحمر مقبرة مفتوحة وطريق نجاة في آن والقهوة طقس انتماء والغبار محاولة رسمية لمحو المدن من الخريطة

الرواية لا تصرخ بشعارات ولا توزع الاتهامات لكنها تضعك أمام عري الإنسان حين يتحول إلى رقم في خيمة وإلى سطر في تقرير أممي هاشم محمود يدين الحرب دون أن يمجد أحداً من أمرائها وانحيازه كله للدمعة التي لا تجد منديلاً

إن كان للنص عتب فهو فرط شاعريته أحياناً حتى تكاد الحكاية تتوارى خلف الصورة وكثافة الإشارة التي قد تتعب قارئاً لا يعرف وجع أسمرا ولا أنين مقديشو بعض الظلال البشرية تمر سريعاً كأنها عبرت المشهد في شاحنة نزوح ولم تجد متسعاً لتكمل كلامها

مع ذلك تبقى “عصا مقديشو” علامة فارقة في سرديات القرن الأفريقي المكتوبة بالعربية نص يأخذ أسمرا من الهامش إلى المتن ويمنح مقديشو صوتاً أبعد من طلقة هي مرثية مكتوبة بماء البحر ودم الحبر عن إنسان يحمل وطنه عصاً ويتكيء على قلبه كي لا يقع

هاشم محمود لم يكتب رواية عن المنفى فقط بل كتب المنفى نفسه وجعله يتكلم العربية بلكنة البحر والريح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى