المجتمع

الزواج من الخالات.. الشجر الكبار فوقو الصمغ

الخرطوم : ريم يونس

يقول المثل السوداني العتيق: “الشجر الكبار فوقو الصمغ”. مثلٌ بسيط في لفظه، عميقٌ في معناه. فالصمغ لا ينزل إلا من الشجر الذي صبر على الشمس والريح والعطش، فصار أصلب عوداً وأغزر عطاءً. وعلى ذات المعنى، يمضي بعض الشباب اليوم إلى “الخالات” لا بوصفهن قرابة، بل بوصفهن نساءً جاوزت أعمارهن الأربعين والخمسين، فصرن في عيون الناس كباراً، وفي عيون من عرف قيمتهن “صمغاً” لا يُعوّض.

في زمنٍ استسهل فيه كثيرون قطف الزهر قبل أن يتفتح، واختاروا الوجوه على حساب القلوب، خرج من يكسر المألوف ويعقد قرانه على امرأةٍ سبقته عمراً. فثار الناس: “أهذا يُعقل؟” ونسوا أن العقل وحده لا يبني بيتاً، وأن البيوت تُبنى بالمودة لا بالمقاييس.

إن الشاب الذي يتزوج “خالة الزمان” لم يخطئ الطريق، بل اختصره. اختصر سنوات الاختبار، وصراعات إثبات الذات، ودراما البدايات. هو ذهب إلى امرأةٍ جربت الحياة فلم تعد تخدعها المظاهر، وامرأةٍ تعلمت من الأيام أن السكينة أغلى من الصخب، وأن الاحتواء أبلغ من العتاب. ذهب إلى من تمنحه الأمان بلا قيد، وتمنحه الفهم بلا شرح، لأنها سبقته إلى ذات الدروب.

*أكد* خبراء العلاقات أن سر انجذاب هؤلاء الشباب ليس في “كبر السن” بل في “نضج الروح”. فالصمغ الذي يسيل من الشجر الكبار ليس إلا خلاصة صبره، تماماً كما أن حنان المرأة الناضجة ليس إلا خلاصة تجاربها. هي لا تسأل كثيراً، ولا تشك كثيراً، ولا ترهقه كثيراً. تعرف متى تصمت فيكون صمتها دواء، ومتى تتكلم فيكون كلامها بلسماً.

نعم، سيهمس المجتمع: “ولد صغير وعرس مرة كبيرة”. وسيسألون عن الإنجاب، وعن كلام الأهل، وعن نظرات الناس. ولكن منذ متى كان الحب يحتاج إلى تصريح من الجيران؟ ومنذ متى كانت السعادة تُوزن بميزان العُرف؟
فدعوا الشجر الكبار وشأنها. دعوا من وجد في “الخالات” ظلاً وارفاً وصمغاً يمسك به إذا مالت الدنيا. فالعمر في البطاقة رقم، وأما في القلب فالعمر هو من يمنحك السكن. والشجر الكبار، يا سادة، لا يخذل من استظل به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى