
لم يكن تراجع أسعار السلع الأساسية بسوق الجملة بود مدني وليد الصدفة، بل كان نتاج تدخل مباشر ومخطط قادته وزارة المالية بولاية الجزيرة كذراع تنفيذي لحكومة الولاية.
فور توجيهات والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير بأن أمن المواطن المعيشي “خط أحمر”، تحولت وزارة المالية من جهة محاسبية معنية بالأرقام والبنود إلى غرفة عمليات ميدانية تعمل على مدار الساعة في قلب السوق.
وتمثل الدور الأول للوزارة في تأمين التمويل العاجل لمراكز البيع المخفض، عبر شراكة ثلاثية غير مسبوقة جمعت الوزارة مع المؤسسة التعاونية العسكرية لتوفير اللوجستيات والنقل، والغرف التجارية والصناعية لتوفير السلع بسعر التكلفة. هذه الشراكة هي التي مكنت من ضخ كميات كبيرة من السكر والدقيق والزيت دفعة واحدة، مما كسر حدة الطلب وأجبر تجار الجملة على خفض أسعارهم بشكل مباشر.
وبدلاً من الاكتفاء بدور المراقب الذي يحرر المخالفات، قررت المالية أن تدخل السوق كمنافس حقيقي. فافتتاح مراكز البيع المخفض وتوفير السلال الغذائية للعاملين بالدولة بسعر مدعوم، خلق توازناً جديداً في معادلة العرض والطلب، وكانت النتيجة المباشرة التي رصدتها سونا اليوم هي انخفاض جوال السكر زنة 50 كيلو من 410 آلاف جنيه إلى 360 ألف جنيه، مع توقعات بانخفاضات أخرى في الدقيق والزيت خلال الأيام القادمة مع توالي ضخ السلع.
وتدرك وزارة المالية أن الخفض المؤقت للأسعار لا يكفي لمعالجة الأزمة من جذورها. وبحسب مصادر مطلعة في إدارة التجارة، فإن الوزارة تدرس الآن مقترحين تقدم بهما المواطنون خلال جولة الوالي الميدانية، يتمثل الأول في إحياء الجمعيات التعاونية كمظلة دائمة لحماية محدودي الدخل وعمال اليومية بدلاً من المراكز المؤقتة، بينما يتمثل الثاني في تسيير منافذ بيع متحركة تصل إلى القرى والأحياء الطرفية التي تعاني من ارتفاع مضاعف في الأسعار بسبب تكلفة الترحيل.
وبهذا التحول تكون وزارة المالية قد انتقلت من دور “حارس الخزينة” إلى دور “حارس معاش الناس”، وهو الدور الذي يطالب به الشارع اليوم في كل ولايات السودان.



