مقالات

معاوية السقا يكتب .. زهير بانقا.. حين تصبح الإرادة مشروعاً

رئيس ثقافة الشمالية يعلن من الراكوبة خارطة وفاء من مهرجان سيف الدين حسن إلى الاستديو المتحرك

▪️حين تحدث زهير الطيب بانقا، رئيس مجلس الثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، من منتجع الراكوبة بأم درمان، لم يكن يلقي تصريحاً عابراً، كان يفتح نافذة للضوء في جدار كثيف من العتمة، ويرسم خارطة طريق لا تشبه ما اعتدنا عليه.

▪️بانقا لم يتحدث من دنقلا، تحدث من أم درمان. ومن يدرك جغرافيا السياسة في السودان، يدرك أن هذا ليس صدفة. أن تعلن مشروع الشمالية من قلب أم درمان، معناه أنك تقول إن الشمالية ليست هامشاً ينتظر المركز، بل هي مركز آخر يخاطب المركز. الراكوبة ليست منتجعاً للسياحة، هي برلمان ثقافي مصغر، يجلس فيه الإعلامي والسياسي والمثقف. بانقا ذهب إليهم أولاً ليبني حاضنة إعلامية قومية لمشروعه، قبل أن يضع حجر الأساس على الأرض. هو لا يطلب إذناً إدارياً، هو يصنع شرعية ميدانية.

▪️ثم إنه لم يطلب مالاً. في زمن ترفع فيه كل المؤسسات شعار لا ميزانية ولا إمكانيات، خرج بانقا بعقيدة واحدة تختصر كل شيء: النجاح مضمون بنسبة مائة في المائة بالإرادة والعمل الجماعي. هو يستبدل خزينة الدولة بخزينة المجتمع، ومنطق التمويل بمنطق المبادرة.

▪️خذ مثلاً مبادرة الاستديو المتحرك. أربعة إلى خمسة مبدعين، بسيارة وكاميرا، يجوبون قرى الشمالية من دنقلا إلى حلفا، ومن مروي إلى كريمة، يطرقون باب المبدع في بيته، بين أهله وجيرانه. تكلفة الفكرة لا تساوي ثمن لافتة احتفال رسمي، لكن أثرها أن يعود الشاعر المنسي في قريته البعيدة ليحس أنه مرئي، وأن الدولة تراه. أن يلتقي بانقا بسبعة وعشرين شاعراً من كبار شعراء الولاية وشبابها، فذاك ليس رقماً يضاف إلى تقرير إنجاز، تلك بيعة ثقافية. هو يقول عملياً: نزلت من المكتب إلى الحقل، وأحصيت جيشي، فمن ذا الذي يقول إن القصيدة ماتت؟

▪️وفي تكريمه لسيف الدين حسن تكمن الفلسفة كلها. لم يختر بانقا نجماً جماهيرياً يصفق له الناس، اختار رجلاً صمت طويلاً خلف الكاميرا. مخرج أفلام وثائقية أنتج أكثر من مئة وخمسين فيلماً، صنع سلسلة أرض السمر التي حفظت سحنات السودان وملامحه حين كانت الذاكرة مهددة بالضياع، وحصد عشرات الميداليات الإقليمية كان آخرها بفيلم خمسة شهود في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بتونس. تكريم هذا الرجل هو إنصاف لقيمة العمل التراكمي الصامت. هو رسالة لكل من يشتغل في الظل: نحن نراكم. آن للعين التي صورتنا طويلاً أن نسلط عليها الضوء. ومهرجان لثلاثة أيام بمواد إبداعية متميزة هو أقل ما يستحقه رجل حفظ للسودان ذاكرته البصرية.

▪️أما تكريم الإعلامي الكبير عبد الرحمن عبد الرسول في دنقلا بين أهله، وبمشاركة واسعة من عدة وزارات، فهو اكتمال لدائرة الوفاء. بانقا يكرم جيلاً كاملاً صنع مجد الإذاعة السودانية، ويكرم صوتاً كان حنجرة الوطن لعقود لم تبح رغم عوادي الزمن.

▪️وحين ختم حديثه بأن الثقافة هي السلاح في معركة الوعي، كان يضع يده على الجرح تماماً. الشمالية اليوم لم تدخلها الحرب بالرصاص، لكنها دخلتها بملايين النازحين، وبالخوف، وبانكسار الروح. ما يمنع انفجار النسيج الاجتماعي ليس المتاريس وحدها، بل القصيدة والكاميرا والاستديو الذي يطرق باب القرية ويقول لأهلها: أنتم لستم منسيين.

▪️بانقا من الراكوبة لم يعلن عن مهرجان، أعلن عن طريقة جديدة في الحكم الثقافي. طريقة تذهب إلى الناس ولا تنتظر أن يأتوا إليها، تكرم الصامتين لا الصاخبين، وتحول الوفاء من لحظة إلى مشروع.
إنها شرارة انطلقت من أم درمان. لكنها هذه المرة شرارة تعرف طريقها جيداً إلى الشمالية، وربما إلى كل السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى