
▪️ليست أزمة وقود تلك التي تضرب ولاية نهر النيل اليوم، بل هي أزمة إدارة بامتياز، وفوضى مكتملة الأركان ترتدي ثوب التصاديق وتتغذى على غياب الرقابة.
▪️فالوقود موجود، يصل إلى الولاية، ويُضخ في الطلمبات، لكنه لا يصل إلى مستحقه. هذه هي الخلاصة المرة التي يرددها أصحاب البصات السفرية وهم يقفون لساعات أمام طلمبة مقفلة، بينما تمر أمام أعينهم شاحنات تحمل تصاديق تمر كجواز مرور دبلوماسي في كل المحطات.
▪️ما يحدث في نهر النيل هو نموذج صارخ لما تفعله الفوضى حين تترك بلا حسم. تصديق واحد يشتغل في أكثر من طلمبة، يصرف صباحاً في عطبرة، وظهراً في الدامر، ومساءً في شندي. من أين جاءت هذه العبقرية في التحايل؟ وكيف يسمح نظام إداري أن يتحول ختم على ورقة إلى ماكينة صرافة بلا رصيد أخلاقي؟
▪️إننا هنا أمام خلل في فلسفة التوزيع قبل أن يكون خللاً في الكمية. فحين يُمنح صاحب الشاحنة الخاصة، الذي ينقل بضاعة تاجر واحد، حصة تفوق حصة بص سفري ينقل خمسين مواطناً من طلاب ومرضى وموظفين وأسر، فنحن لا نتحدث عن أزمة وقود، بل عن أزمة عدالة وغياب أولويات.
▪️الدولة التي تحترم مواطنها تضع المواصلات العامة في قمة الهرم. البصات السفرية ليست مشروعاً استثمارياً خاصاً فقط، هي مرفق عام متحرك، هي التي تربط نهر النيل بالخرطوم وبالسودان كله. هي التي نقلت النازحين في أحلك الظروف، وصبرت على الطرق المكسرة وتقلبات السوق. فهل يكون جزاؤها اليوم أن تُترك لتشتري الجركانة بمليون جنيه من السوق الموازي؟
▪️مليون جنيه للجركانة.. هذا الرقم ليس مجرد سعر، إنه إعلان إفلاس لمنظومة التوزيع. صاحب البص حين يدفع هذا المبلغ، فهو لا يشتري وقوداً، بل يشتري استمراراً مؤقتاً لعمله قبل أن يتوقف. وهو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتوقف عن العمل فتُشل حركة الولاية، وإما أن يرفع سعر التذكرة فيدفع المواطن المسكين الثمن من جيبه المثقوب أصلاً. وفي الحالتين، المواطن هو الخاسر.
▪️لقد أفرزت هذه الفوضى طبقة جديدة من تجار الأزمات، أناس لا ينتجون ولا يزرعون ولا ينقلون، بل يعيشون على هامش التصديق. يأخذون الورقة ويحولونها إلى ذهب، بينما صاحب الحاجة الحقيقية يبيت في الصف.
▪️يا سيادة والي نهر النيل.. الحل لا يحتاج إلى مؤتمر ولا إلى لجنة تحقيق، بل إلى قرار إداري شجاع يعيد الأمور إلى نصابها.
▪️القرار الأول والأهم: اضبط التصاديق. أوقف هذا العبث. اجعل التصديق بمعيار الحاجة الفعلية وللجهات الاعتبارية فقط. المستشفى يحتاج، المخبز يحتاج، المشروع الزراعي يحتاج، أما سيارة ملاكي لموظف أو تاجر فلا يمكن أن تتساوى مع بص سفري.
▪️القرار الثاني: خصص الطلمبات. هذه بديهية إدارية غائبة. لماذا لا تكون هناك طلمبة خاصة ومحروسة ومحمية بقوة الأمن الاقتصادي للبصات السفرية والمواصلات الداخلية فقط؟ وطلمبة أخرى للملاكي، وثالثة للتصاديق الرسمية؟ بهذا الفصل البسيط تقتل 80% من الفوضى وتمنع التلاعب.
▪️القرار الثالث: أنزل الأمن الاقتصادي إلى الميدان. الرقابة لا تدار من المكاتب المكيفة. الرقابة أن يقف رجل الأمن في الطلمبة، يطابق اللوحة مع التصديق، يختم بختم يمنع التكرار، يسجل الكمية. الفوضى تحسمها العين الساهرة لا التقارير الورقية.
▪️إن ولاية نهر النيل اليوم أمام مفترق طرق. إما أن تحسم فوضى الوقود بقرار حازم يعيد هيبة الدولة وينصف أصحاب البصات، وإما أن تترك الحبل على الغارب فيتوقف دولاب الحركة، ويتضاعف سخط الناس، وتتحول الولاية التي كانت ملاذاً آمناً للسودانيين إلى ساحة أخرى للمعاناة.
▪️أصحاب البصات لا يطلبون دعماً ولا منحة، يطلبون عدالة في التوزيع وحقهم في الوقود بالسعر الرسمي ليستمروا في خدمة الناس. فإنصافهم هو إنصاف للمواطن، وضبط الوقود هو ضبط لهيبة الدولة.
*اضبط الوقود يا سيادة الوالي، قبل أن تضبطك الفوضى.*




