الاقتصادية

إيصالي يشعل أزمة الموانئ: ممانعة بحرية تختبر هيبة الدولة وولاية المالية على المال العام

هل تنجح وزارة المالية في بسط ولايتها الكاملة على إيرادات الموانئ؟

أشعل قرار ضم هيئة الموانئ البحرية لمنظومة توحيد الإيرادات العامة عبر منصة “إيصالي” فتيل غليان واسع واحتجاجات عمالية وتمثلت في لقاءات تنويرية رافضة والتلويح بالتوقف عن العمل.

ويأتي هذا المشهد ليعكس فجوة واضحة بين رغبة وزارة المالية في فرض قبضتها التامة على المال العام، وبين هواجس العاملين من توقف شريان الاقتصاد الأهم بالبلاد.

جذور أزمة إيصالي والموانئ البحرية

تتمحور جذور الخلاف حول قرار إخضاع الموانئ لنظام التحصيل الموحد عبر منصة إيصالي، وهو ما قوبل برفض إداري. وتستند قيادة الموانئ في موقفها إلى خصوصية الإيقاع التشغيلي المتواصل، محذرة من تكدس الحاويات وفرض غرامات تسيء لسمعة المرفق. في المقابل تتمسك وزارة المالية بضرورة إدراج كافة المؤسسات الإيرادية تحت المظلة الرقمية الموحدة.

صراع تاريخي بين المركز والمؤسسات المغلقة

وتتجاوز أزمة إيصالي البعد التقني لتلامس صراعا تاريخيا بين مركز يستميت لتوحيد الموارد ومؤسسات اعتادت الاستقلال المالي. وحيث إن الموانئ تستحوذ على الجزء الأكبر من التجارة الخارجية، فإن أي اهتزاز في كفاءتها يعادل شللا تاما للدولة.

تقرير: رمضان محجوب

إيصالي مشروع وطني لوقف الفساد

ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير في إفادته لـ “المحور” إلى أن منصة “إيصالي” تمثل مشروعا استراتيجيا دشنته المالية بالتعاون مع بنك السودان لتنظيم حركة التحصيل. ويلفت الناير إلى أن هذا التحول الرقمي يستهدف ميكنة العمليات وقطع دابر التدخل البشري وتكريس الولاية الكاملة للمالية على الأموال العامة، بما يقفل أبواب الفساد والتزوير.

ويؤكد الناير على حتمية إيجاد صيغة توازن محكمة بين إنفاذ السياسات السيادية ومراعاة استمرارية العمل بالمرفق الحيوي.

الشفافية اللحظية وحساب الخزينة الموحد

في حديثه يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد عوض متولي أن الخلاف بين المالية والموانئ يعكس تعارضا بنيويا. ويحذر متولي من التمادي في اعتماد النظم الورقية، معتبرا ذلك انتحارا ماليا يفتح الثغرات لما يعرف بالتسريب المكاني والزمني.

ويبين متولي أن منصة “إيصالي” تقفل هذه الثغرات عبر ربط الإيرادات بشكل آني ومباشر بحساب الخزينة الموحد لدى البنك المركزي، مما يرفع الحصيلة دون فرض أعباء ضريبية جديدة.

النموذج الهجين المرن.. الحل المقترح

ويقر الدكتور متولي بأن مخاوف إدارة الموانئ مبنية على واقع مهني مقدر، مقترحا مخرجا عمليا يتمثل في “النموذج الهجين المرن”. ويقوم الطرح على احتفاظ الميناء بنظامه التشغيلي الفواتيري السريع، مع ربطه لحظيا عبر واجهة برمجية بمنصة “إيصالي” لضمان التحويل الفوري للأموال.

خاتمة: معضلة هيبة الدولة

يتضح أن معضلة هيبة الدولة تتخندق في غياب آليات الإنفاذ الفاعل لا في شح التشريعات. فاستعادة هيبة الاقتصاد لا تتحقق بالصدام، بل تستلزم حنكة استراتيجية تجمع بين الصرامة القانونية وتوفير المظلات التقنية للعاملين لعبور هذه المرحلة نحو اقتصاد رقمي متماسك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى