
كل مرة نحاول فيها تفسير أزمات السودان نبحث عن الأسباب المعتادة: الحرب، الاقتصاد، الفساد، الصراعات السياسية، التدخلات الخارجية.
لكن ماذا لو كانت هناك مشكلة أعمق من كل ذلك؟ ماذا لو كانت مشكلتنا الحقيقية أننا لا نفكر في التاريخ؟
قد تبدو الفكرة صادمة لكن أزماتنا السياسية والاقتصادية والإدارية ليست كلها بسبب الفقر أو الحروب أو ضعف الموارد بل ربما بسبب شيء أعمق: غياب الوعي بالتاريخ وغياب الرغبة في ترك أثر.
الأمم لا تُبنى فقط بالمال ولا بالموارد الطبيعية بل تُبنى أيضًا بفكرة بسيطة: ماذا سأترك بعد أن أرحل؟
حين نتأمل الحضارات التي بقيت آثارها لآلاف السنين نجد أن أصحابها كانوا مهووسين بفكرة البقاء في الذاكرة. كانوا يريدون أن يتركوا أثرًا، أن يخلدوا أسماءهم من خلال بناء مدينة أو معبد أو مؤسسة أو فكرة أو قانون.
أما نحن فكثيرًا ما نتصرف وكأن المستقبل لا يعنينا. المسؤول يأتي إلى موقعه وهو يفكر في يومه لا في التاريخ الذي سيكتب عنه الناس بعد خمسين عامًا. الموظف يفكر في نهاية الشهر أكثر مما يفكر في المؤسسة التي سيتركها خلفه والسياسي يفكر في البقاء في المنصب أكثر مما يفكر في البقاء في ذاكرة الوطن.
لهذا لا نستغرب أن تتعثر المشاريع بتغير الأشخاص وأن تبدأ المؤسسات من الصفر كل مرة وأن تضيع الخبرات والتجارب وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
لدينا أزمة ذاكرة وطنية حقيقية. لا نوثق كما ينبغي، لا نحفظ تجاربنا كما ينبغي ولا نتعلم من أخطائنا كما ينبغي. ننسى بسرعة ونعيد إنتاج الأخطاء نفسها جيلاً بعد جيل.
وكما يُقال: *(من لا يتذكر الماضي محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى)* وهذه ليست مجرد عبارة عن التاريخ، إنها تحذير من أن النسيان ليس فراغًا محايدًا بل قد يكون طريقًا لإعادة إنتاج الأخطاء نفسها بأشخاص جدد ووجوه جديدة لكن بالنتائج ذاتها.
الفرق بين من يفكر في التاريخ ومن يفكر في اللحظة فقط أن الأول يبني شيئًا أكبر من نفسه بينما الثاني يبحث فقط عن مصلحة عابرة تنتهي بانتهاء موقعه أو نفوذه.
ربما لهذا السبب نجد في كثير من الدول مباني وجسورًا ومؤسسات ومشروعات كبرى مرتبطة بأسماء أشخاص أرادوا أن يتركوا بصمة في التاريخ بينما نجد عندنا فرصًا كثيرة ضاعت لأن أصحاب القرار لم ينظروا أبعد من مصالحهم المباشرة.
لا يمكن لأي أمة أن تصنع مستقبلًا محترمًا وهي تتعامل مع ذاكرتها بهذه الخفة فالتاريخ ليس مجرد قصص قديمة بل هو الشعور بالمسؤولية تجاه من سيأتون بعدنا.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس ماذا نملك اليوم بل *ماذا سيبقى منا بعد خمسين عامًا؟*
عندما يبدأ السودانيون أفرادًا ومسؤولين ومؤسسات في التفكير بهذا السؤال ربما نكون قد بدأنا فعلًا أول خطوة نحو صناعة تاريخ يستحق أن يُروى.




