مقالات

معاوية السقا يكتب .. الحوار السوداني السوداني الأصل.. حين يتكلم التراب

معاوية السقا: السودان لأهله ومستقبله يقرره من بقي في الخندق

ما أحوجنا اليوم إلى أن نجلس على حصير واحد، لا على طاولة مستوردة. لقد تعب السودان من أن يُكتب قدره في عواصم بعيدة، وتعب من أن يكون حقل تجارب لوصفات تأتي من وراء البحار.

من هنا، لا يأتي الحديث عن الحوار السوداني السوداني الأصل كشعار يزين الخطب، بل كعودة اضطرارية إلى الأصل. حين نقول السودان لأهله، فإننا لا نقول كلمة عنصرية، ولا ندعو إلى انغلاق. نحن نقول إن هذا التراب الذي شرب دم أبنائنا، لا يحق لأحد أن يرسم خريطته إلا من شربه.

ولكي نفرق بين من بقي ومن هرب، لابد أن نذكر نموذجاً حياً للأصالة، الرئيس د. أحمد منصور المحامي، الذي كان قاعداً في أمبدة في قلب ولاية الخرطوم، لم يخرج منها منذ أول رصاصة في هذه الحرب وحتى اليوم. لم يساوم، ولم يهادن، بل بقي بين أهله، يؤسس مع إخوة كرام لبنة المقاومة الشعبية الحقيقية في السودان.

نحن لا نريد حوار نخب يتصافحون أمام الكاميرات، ويتقاسمون الغنيمة خلف الستار. نريد حواراً يشبه رائحة الدخان في التكايا، يشبه صوت الطبيب الذي بقي في مستشفى بلا كهرباء، ويشبه كف المزارع الذي عاد إلى حواشته رغم الرصاص.

إن أصدق معيار للوطنية ليس ما تقوله في الفضائيات، بل ما فعلته حين كان الوطن ينزف. ومن آمن بوحدة السودان، بجيشه الواحد، بقانونه الواحد، بترابه الواحد من حلفا إلى نمولي، ومن بورتسودان إلى الجنينة، فهو منا ونحن منه.

نحن لا نكره العالم، ولا نغلق بابنا في وجه صديق. نرحب بكل يد تمتد بدواء وغذاء، لكننا نقول بصوت واحد لا يرتجف: القرار يكتب هنا، في الخرطوم التي جرحت ولم تمت، في الأبيض التي صمدت، في الفاشر التي تقاوم.

هذا الحوار الذي ندعو إليه ليس حواراً لاقتسام كراسي السلطة، فالكراسي زائلة. إنه حوار لاقتسام الألم، ولإعادة بناء ما تهدم. حوار يضع خريطة طريق لا تبدأ بالقصر الجمهوري، بل تبدأ ببيت النازح، ومشفى الطبيب، ومدرسة التلميذ. وإن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى