مقالات

د/ محمد تبيدي يكتب.. إصلاح وزارة الصناعة والتجارة في السودان: محاسن علي يعقوب ونموذج الحمائية الرشيدة

تعاني اقتصادات ما بعد الصراع من ظاهرة يسميها الاقتصاديون “متلازمة الدولة المستباحة” (Permeable State Syndrome)، حيث تفقد المؤسسات الرسمية قدرتها على تنظيم السوق، وتنتقل وظيفة التخصيص إلى شبكات غير رسمية. وهذا بالضبط ما حدث لوزارة الصناعة والتجارة السودانية خلال العقد الماضي، حيث تحولت من جهاز تنظيمي (Regulatory Agency) إلى جهاز جبائي يمنح التصاديق.

*أولاً: تشخيص الاختلال:*
قبل تولي الوزيرة محاسن علي يعقوب، كان الاقتصاد السوداني يعاني من ثلاث اختلالات بنيوية:

1. *إغراق السوق (Dumping):* استيراد سلع لها بديل محلي مباشر مثل الأحذية والمنتجات الجلدية والصابون ومنتجات بلاستيكية، مما أدى إلى إغلاق أكثر من 60% من الطاقة الإنتاجية في المناطق الصناعية في الباقير وبحري، حسب تقديرات اتحاد الصناعيين.

2. *الاقتصاد الريعي للتصاديق:* تحولت رخص الاستيراد والإعفاءات إلى سلعة تباع في السوق الموازي، مما خلق طبقة من الوسطاء لا تضيف قيمة إنتاجية، بل تستنزف العملة الصعبة.

3. *تآكل القاعدة الصناعية:* نتيجة للمنافسة غير العادلة، حيث ينافس المنتج المحلي الذي يتحمل تكلفة الكهرباء والضرائب والعمالة، منتجاً مستورداً مدعوماً من دولته ومعفى جمركياً عبر علاقات خاصة.

*ثانياً: مقاربة الوزيرة محاسن كإصلاح مؤسسي:*

ما قامت به الوزيرة يمكن تحليله في إطار نظريتين اقتصاديتين:

*أ. نظرية استعادة الدولة (State Recapture):* قامت بإغلاق القنوات غير الرسمية وإعادة مركز القرار إلى الهيكل الوظيفي الرسمي. وهذا إجراء حوكمة أساسي قبل أي إصلاح اقتصادي.

*ب. نظرية الحمائية الرشيدة (Smart Protectionism):* وهي تختلف عن الحمائية المغلقة. تقوم على مبدأ أن التعريفة الجمركية ليست أداة جباية (Tariff for Revenue) بل أداة حماية (Tariff for Protection). مبدأها “لا نستورد ما يمكن إنتاجه محلياً بجودة مقبولة وكميات تغطي الطلب”. وهذا معمول به في إثيوبيا ورواندا والمغرب، حيث منعت استيراد سلع معينة لحماية صناعات ناشئة.

*ثالثاً: الرد على الانتقادات:*

الانتقاد بأن المنع يرفع الأسعار مردود عليه أكاديمياً. فالبديل هو استمرار نزيف الدولار واستيراد سلع كمالية، مما يضعف سعر الصرف ويرفع أسعار كل السلع. حماية المصنع المحلي تحافظ على الوظائف، وتقلل الطلب على الدولار، وتخلق سلسلة قيمة محلية.

أما القول بأن المصانع غير جاهزة، فهذا يخلط بين السبب والنتيجة. المصانع غير جاهزة لأنها لا تجد حماية. لا يمكن أن نطلب من مصنع أن يستثمر ويتوسع بينما السوق مغرق بسلعة أرخص مدعومة من الخارج.

*الخلاصة:*

ما تقوم به محاسن علي يعقوب ليس قراراً إدارياً معزولاً، بل هو إعادة بناء لسيادة الدولة الاقتصادية. الصراع مع شبكات الاستيراد الفوضوي هو صراع طبيعي ومتوقع في كل تجارب الإصلاح، لأنه صراع بين اقتصاد إنتاجي يريد أن يبني مصنعاً، واقتصاد ريعي يريد أن يبقى السودان سوقاً لتصريف منتجات الآخرين.

إن نجاح هذه التجربة يقاس بمؤشرين: عودة المصانع المتوقفة للعمل، وتراجع فاتورة السلع الكمالية التي لها بديل محلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى