
ما حدث في سوق الجملة بود مدني اليوم لا يمكن قراءته كخبر عن انخفاض سعر جوال سكر من 410 آلاف إلى 360 ألف جنيه. هذا هو السطح. العمق هو تحول جذري في فلسفة وزارة المالية.
لسنوات، كانت وزارة المالية في كل الولايات هي الجهة التي تجمع، تحاسب، وتغلق الدفاتر. اليوم في الجزيرة، تحولت إلى الجهة التي تفتح الأسواق، تمول، وتضارب التجار لصالح المواطن. وهذا التحول هو جوهر التحليل.
كل محاولات خفض الأسعار السابقة اعتمدت على “الرقابة والعقوبات”. وهي آلية فاشلة في اقتصاد حرب، لأن التاجر يحتكر والمستهلك يئن والدولة تراقب من بعيد. ما فعلته مالية الجزيرة مختلف. دخلت كـ منافس في السوق لا كـ شرطي على السوق. عندما مولت مراكز البيع المخفض، وتحالفت مع المؤسسة التعاونية العسكرية لتوفير النقل واللوجستيات، ومع الغرف التجارية لتوفير السلع بسعر التكلفة، فإنها خلقت وفرة مصطنعة مدروسة. والوفرة هي العدو الأول للاحتكار.
التاجر في سوق الجملة لم يخفض السعر لأنه خاف من المخالفة، بل لأنه خاف من الكساد. عندما يجد المواطن سكراً بـ 360 ألفاً في مركز مخفض، لن يشتريه بـ 410 آلاف من تاجر الجملة. هذه هي معادلة السوق التي فهمتها المالية جيداً.
نجاح التجربة قائم على مثلث: المالية تملك قرار التمويل والغطاء السياسي من الوالي الطاهر إبراهيم الخير، والتعاونية العسكرية تملك الانضباط والشاحنات والمخازن وقدرة الوصول السريع، والغرف التجارية تملك السلع والموردين. هذا المثلث هو نموذج لـ “اقتصاد الطوارئ” الذي يحتاجه السودان اليوم. لا يمكن لوزارة واحدة أن تنجح وحدها.
لكن الخفض سهل، التثبيت صعب. وهذا هو سؤال التحليل الحقيقي. مراكز البيع المخفض وتوزيع السلال للعاملين هي حل إسعافي. لكنها تستهلك تمويلاً كبيراً من خزينة الولاية. السؤال: إلى متى تستطيع المالية أن تمول هذا الدعم؟
هنا تأتي مقترحات المواطنين التي رصدتها “سونا” خلال جولة الوالي لتقدم الحل المستدام. مقترح علي عيسى الربح بإحياء الجمعيات التعاونية هو الحل الاستراتيجي. الجمعية التعاونية لا تحتاج تمويلاً حكومياً يومياً، بل رأس مال دوار من المواطنين أنفسهم تحميه الدولة. ومقترح حسن عوض الله بابكر بالمنافذ المتحركة للقرى، يعالج فشل المركزية. فأزمة الجزيرة أن الخفض في مدني لا يصل إلى المناقل والحصاحيصا بسبب تكلفة الترحيل.
إذن، وزارة المالية أمام مفترق طرق: إما أن تبقى تاجراً مؤقتاً يضخ السلع حتى ينفد التمويل، وإما أن تتحول إلى مؤسس لنظام تعاوني دائم يحمي محدودي الدخل وعمال اليومية.
ما فعلته اليوم هو الشق الأول.. وهو شق مهم وشجاع. لكن الحكم على نجاحها الحقيقي لن يكون بانخفاض جوال السكر 50 ألف جنيه، بل بقدرتها على تحويل هذا الانخفاض من “قرار والي” إلى “نظام حماية مستدام” لا يتأثر بجولة أو بميزانية شهر.
لقد بدأت المعركة بشكل صحيح. والكرة الآن في ملعب وزارة المالية لتثبت أنها ليست فقط حارس الخزينة، بل حارس معاش الناس.
.



