الاقتصادية

شموخ عمر تكتب “مالية الجزيرة.. حين تنحني النار ليد سودانية”

في زمنٍ تشتعل فيه الأسعار كما تشتعل الجبهات، قررت _مالية الجزيرة_ أن تمشي عكس اللهب.
لم ترفع مذكرة شكوى، ولم تنتظر معجزة من الخارج. فتحت دفاترها بيدٍ ثابتة، ومحت رقماً وكتبت مكانه رحمة.

وللمرة الثانية في أيام، جاء القرار “زلزالاً”.
أسطوانة الغاز زنة 12.5 كجم التي كانت تقف متغطرسة عند _107 آلاف جنيه_، انحنت حتى صارت _85 ألفاً_، وبسعر مستودع _79 ألفاً_ لا يُسمح بتجاوزه.
ولتر الجازولين الذي كان ينهش عصب النقل والزراعة بـ _14,265 جنيهاً_، تراجع إلى _8,941 جنيهاً_.. هبوط يتجاوز _37%_.
أرقام لا توضع في جدول، بل توضع في قلب المزارع، وفي خزان الشاحنة، وفي فاتورة المصنع الذي عاد لتوه من تحت الركام.

القرار يحمل توقيع _عاطف إبراهيم أبوشوك_ وزير المالية، وبصمة _بدر الدين حسين الضو_ مدير البترول.
لكنه في جوهره ليس إجراءً إدارياً. إنه عهد. عهدٌ بأن تكون الدولة، ولو في بقعة واحدة من هذا الوطن المنهك، “أماً” لا “محصلاً”.

كانت التخفيضات السابقة تمشي على استحياء، من _67.8 إلى 64 ألفاً_، ومن _15.210 إلى 14.656 جنيهاً_.
أما اليوم فقد قفزت.
قفزة متعمدة تقطع مع سياسة المسكنات وتعلن الدخول إلى زمن “إعادة الهيكلة”.
والأغرب أن هذا يحدث في وقتٍ ترتفع فيه أسعار الشراء من مستودعات بورتسودان المركزية.
فمن أين جاء الفرق؟
جاء من تضحية. من هوامش ربحٍ تم عصرها حتى الجفاف، ومن ضرائب أعيد تدويرها، ومن بنودٍ كانت للبندقية فتحولت إلى الموقد.
_مالية الجزيرة_ ببساطة قررت أن تدفع هي الفارق، حتى لا يدفعه الجائع.

الجزيرة ليست هامشاً. الجزيرة _60% من صناعة السودان_.
ولذلك لم تتعامل مع الحرب كضحية، بل كمختبر.
خفضت تكلفة الطاقة لا تدليلاً، بل لأنها تعلم أن المصنع بلا وقود جثة، وأن الحقل بلا حركة قبر.
المصانع التي نهضت على ألواح الشمس وخطط الطوارئ وجدت اليوم من يمسك بيدها.
والشاحنات التي تحمل قمح الجزيرة إلى أطراف السودان وجدت طريقها أخف كلفة.
هكذا تحول الوقود من جلادٍ يخنق الإنتاج، إلى حاضنةٍ ترعاه.
ولأن الكرم بلا قانون يصبح فوضى، جاء التشديد: من يتلاعب بالتسعيرة فليستعد للمساءلة. هذا ليس إحساناً، هذا نظام دولة.

انظر حولك. بقية الولايات تركض خلف الدولار صعوداً.
والجزيرة تركض عكسه نزولاً.
هناك السوق هو السيد، وهنا الإرادة هي السيدة.
هذا لا يحدث إلا إذا كان في الخزينة نفسٌ طويل، وفي الإدارة عينٌ لا تنام.
لكن يظل السؤال يتربص في الزاوية: أتستطيع _مالية الجزيرة_ أن تظل تدفع الفرق بين _79 ألفاً_ و _85 ألفاً_ إلى ما لا نهاية؟
أم أن هذا “رهان”؟ رهان على أن يشتري الناس الثقة اليوم، فيعود الإنتاج غداً أضعافاً ويعوض كل خسارة؟

ما يفعله _عاطف أبوشوك_ ليس اقتصاداً تقليدياً.
إنه “تسعير موجه”. إعلان حرب على الاحتكار، وحصار على التهريب.
رسالة تقول: هذه الأرض ليست سوقاً مفتوحاً للجشع.
إذا كان الرصاص يحمي الحدود، فإن التسعيرة تحمي البيوت.

في المحصلة، ما جرى ليس بنداً في ميزانية.
هو بيان.
بيانٌ بأن الجزيرة ترفض أن تكون تابعة لانهيار مركزي.
وبأن الأمن لا يكتمل إلا إذا استقر السعر، وأن الكرامة لا تكتمل إلا إذا اشتعل الموقد.
مقامرة محسوبة: نخسر اليوم قليلاً من الإيراد، لنربح غداً كثيراً من الإنتاج.

الزمن وحده، ومؤشرات التضخم في الشهور القادمة، ستكتب السطر الأخير.
لكن المؤكد أن _مالية الجزيرة_ اليوم كتبت فصلاً لم يُكتب من قبل في كتاب “اقتصاد الحرب”.
فصلٌ يقول: حتى في أحلك الليالي، يمكن ليدٍ سودانية أن تجعل النار تنحني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى