الاقتصادية

معاوية السقا يكتب : محاسن علي يعقوب… المرأة الفولاذية التي لم تنحنِ للعاصفة

في زمن تتهاوى فيه المؤسسات تحت وطأة الحرب والانهيار، وتتوارى فيه الأصوات خوفاً من العاصفة، برزت في المشهد امرأة بصلابة الحديد ورؤية الدولة.

محاسن علي يعقوب، وزيرة الصناعة والتجارة، لم تكن وزيرة مكتب مكيف وتصريحات إعلامية. كانت رجل الدولة في أصعب لحظة يمر بها الاقتصاد السوداني. حين انهارت سلاسل الإمداد، واحترقت المصانع، وتهاوت أسواق العاصمة، لم تنكفئ الوزارة على نفسها بانتظار نهاية الحرب. بل تحركت على الأرض، تلمّ شتات ما تبقى، وترسم خريطة جديدة لتوطين الصناعة وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج.

قرارها التاريخي بإطلاق خطة “إعادة توطين الصناعات الحيوية” جاء في توقيت كان فيه كثيرون يرون أن الحديث عن الإنتاج ترف لا يليق بزمن البنادق. لكن محاسن رأت غير ذلك. رأت أن معركة الكرامة لا تُخاض في الميدان وحده، بل تُخاض أيضاً في خطوط الإنتاج، وفي مصانع الأدوية، وفي ورش تصنيع المحولات، وفي كل مصنع صغير يُعاد تشغيله ليُغني البلد عن الاستيراد ويحفظ كرامة المواطن.

صمدت حين هددوا، وثبتت حين انسحب غيرها. لم تُساوم على ملف الصناعة الوطنية، ولم تسمح بتحويل الوزارة إلى منصة للشعارات الفارغة. كانت تجوب الولايات، تلتقي أصحاب المصانع الصغيرة والمتوسطة، تستمع لمشاكلهم، وتذلل عقبات الكهرباء والوقود والتمويل بيدها لا بالوعود.

اليوم، ثمار هذا الصمود بدأت تظهر. مصانع عادت للعمل في أم درمان وشندي وبورتسودان. خطوط إنتاج محلية للأدوية والمواد الغذائية وقطع الغيار بدأت تسد فراغاً خلّفه انقطاع الاستيراد. ومشروعات للطاقة الشمسية والصناعات التحويلية دخلت حيز التنفيذ، لتكون نواة لاقتصاد منتج لا يعتمد على الإغاثة.

محاسن علي يعقوب لم تُرد أن تُكتب في التاريخ كوزيرة عابرة في حكومة حرب. أرادت أن تُكتب كامرأة قالت “لا” للانهيار، و”نعم” للعمل في الصمت.

هي المرأة الفولاذية التي لم تنحنِ للعاصفة، لأنها كانت تعلم أن وراءها شعباً لا يملك إلا صمودها ليتكئ عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى