
▪️في زمنٍ تتهاوى فيه الثوابت وتتبعثر فيه الخطى، وتُسدل الستائر على مصانعٍ كانت بالأمس تنبض بالحياة، وقفت مجموعة مياسم الصناعية كجبلٍ راسخٍ لا تزعزعه رياح المحنة. لم تغادر حين غادر الآخرون، ولم تهرب حين ضاقت الأرض بما رحبت، بل آثرت أن تنحاز للوطن، وتتمسك بترابٍ روته دماء الشهداء.
▪️اندلعت حرب الكرامة، فاهتزت عروش التجارة وتوقفت عجلة الإنتاج في مواضع كثيرة. لكن مياسم اختارت أن تكون ضد التيار، أن تصمد حيث انسحب الجميع. ركزت على جوهرها، وأسست لمعادلةٍ جديدة عنوانها: “الوطن أولاً”. لم تكن معركة مياسم معركة ربحٍ وخسارة، بل كانت معركة وجودٍ ووفاءٍ لشعبٍ جاع واستعصى عليه الدواء والغذاء والكساء.
▪️طيلة فترة الحرب، كانت مياسم بمثابة رئةٍ يتنفس بها السوق المحلي. سدّت العجز في احتياجاتٍ أساسية كان غيابها يعني مزيداً من المعاناة. دخلت خطوط إنتاجها كل بيتٍ سودانيٍ تقريباً، حاملةً معها رسالةً صامتة: نحن هنا، لم نترككم.
لم تنتظر انجلاء الغبار لتعود، بل صنعت من الغبار نفسه مادةً للبناء. رفعت من طاقتها، وسخّرت إمكانياتها لتعويض ما عجز عنه المستورد والهارب، فكانت خير سندٍ للمواطن المثقل بالهموم.
▪️لم تقف مياسم عند حدود الربح، بل جعلت من المسؤولية المجتمعية عقيدةً راسخة. كانت يدها ممدودةً للمبادرات الإنسانية، ودعمها واصلاً للمتضررين والنازحين. فهمت أن المؤسسة الناجحة ليست تلك التي تملأ خزائنها، بل التي تملأ قلوب الناس بالطمأنينة. فانحازت للمواطن في أحلك ظروفه، وقدمت ما استطاعت دون منٍّ ولا أذى.
▪️في ميزان مياسم، لا تساوي كل مكاسب الدنيا ذرةً من عزّة الوطن. لذلك كان قرار البقاء والعمل والبناء قراراً استراتيجياً نابعاً من إيمانٍ راسخ بأن الاقتصاد الوطني لا يُبنى بالهروب، بل بالصبر والمثابرة.
أسست مصانع جديدة، وطورت خطوطاً قائمة، واستوعبت أيدي عاملةٍ كانت على وشك أن تضيع في مهب الحرب. فكانت بذلك نموذجاً للمؤسسة الوطنية التي تعرف أن نهضة الأوطان تبدأ من مصانعها، وتُصاغ في ورشها ومعاملها.
▪️مجموعة مياسم الصناعية لم تكن مجرد كيانٍ اقتصاديٍ عابر. كانت قصة صمود، وحكاية وفاء، وملحمةً كتبت فصولها بأحرفٍ من عملٍ دؤوب وانتماءٍ لا يتزحزح. وفيما انكفأ غيرها، مضت هي إلى الأمام، لتقول للجميع: الوطن يُبنى بسواعد أبنائه، ولا ينهض إلا إذا وقف أهله على ثغوره، صامدين، معطائين، لا يلينون.
▪️وقد أقامت مجموعة مياسم على صدق انتمائها للوطن والمواطن حجّةً لا تُدحض، وبرهاناً لا يعلوه شكّ. فعلى الرغم من جشع لوبي الاستيراد وانتفاعه بما مُنح له من امتيازات، وعلى الرغم من ترديده لفريةٍ باطلةٍ مفادها أن الصناعة الوطنية قاصرةٌ عن مجاراة المنافسة والثبات، فقد كذّبت مياسم هذا الزعم بالفعل لا بالقول. فها هي اليوم تفيض بعطائها لتغطي _48%_ من حاجة السوق المحلي من المواد الغذائية، شاهدةً على أن الإرادة إذا اقترنت بالعمل المتقن، تصنع من رحم المحنة نهضةً، وتحوّل التحدي إلى ميدانٍ للفخر.



