
إدارة البترول بولاية الجزيرة تجاوزت دورها التقليدي كجهة توزيع للوقود، لتصبح فعليًا قلب مالية الولاية النابض والسند الأول لخزينة أنهكتها الحرب وإهمال المركز. حين توقفت عجلة التحويلات الاتحادية، وتفاقمت فجوة التمويل، وترنحت قطاعات الخدمات تحت وطأة شح الموارد، كانت إدارة البترول هي من حمل العبء الأكبر. لم تكتفِ بتوفير الوقود ومشتقاته في أصعب الظروف اللوجستية والأمنية، بل تحولت إلى أكبر رافد للإيرادات الذاتية للولاية، وإلى صمام أمان منع انهيار قطاعات حيوية بأكملها.
الأرقام تقول إن إدارة البترول أصبحت تُسهم بما يتجاوز 40% من إجمالي المتحصلات الذاتية للولاية خلال 2025 والربع الأول من 2026. هذا لم يأتِ من فراغ، بل من ثلاث جبهات أدارتها الإدارة بكفاءة نادرة. في وقت تعطلت فيه سلاسل التوريد القومية، نجحت الإدارة في إبرام تفاهمات مرنة مع الموردين، وتأمين حصص الولاية من الجازولين والبنزين وغاز الطهي، وضبط توزيعها لمنع السوق السوداء التي كانت ستلتهم ما تبقى من دخل المواطن. كما أدخلت الإدارة نظام الرقابة الإلكترونية على المحطات والمستودعات، وربطت صرف الحصص بالسداد الآني، فقلّصت الفاقد المالي إلى أدنى مستوياته، وحوّلت محطات الوقود إلى نقاط تحصيل سيادية ترفد الخزينة يوميًا. ولم يقف دورها عند الجباية، بل وفّرت الوقود المدعوم للموسم الزراعي، ولتشغيل محطات المياه، وللمستشفيات، ولآليات إعادة الإعمار. بمعنى آخر، كل لتر وقود كان يمر عبر إدارة البترول، كان يعني استمرار الحياة في مرفق جديد.
عبقرية إدارة البترول أنها لم تتعامل مع الوقود كسلعة، بل كأداة سياسة مالية. فبينما كانت وزارة المالية بقيادة الأستاذ عاطف أبو شوك تخوض معركة سد فجوة المرتبات بتمويل 2 مليار جنيه شهريًا، كانت حصيلة إدارة البترول هي من تغطي الجزء الأكبر من هذا العجز. لقد تحولت الإدارة إلى بنك مركزي مصغر للولاية. فهي تموّل شراء محولات الكهرباء التي لم يرسلها المركز، وتدفع مقدمات عقود حفر الآبار، وتضمن سيولة المقاولين لضمان استمرار مشروعات البنية التحتية. وكل ذلك يتم بإيقاع لا ينتظر إذنًا من الخرطوم.
هذا الدور المحوري لم يكن بلا كلفة. فقد تحملت كوادر إدارة البترول ضغطًا تشغيليًا وأمنيًا هائلًا، وواجهت اتهامات وتشكيكًا في بيئة يتربص فيها الجميع بمن يملك مفاتيح القوة. لكنها مضت في طريقها بوصفها خط الدفاع الأول عن استقرار الولاية.
الدرس الذي تقدمه تجربة إدارة البترول في الجزيرة واضح: حين تنهار المنظومة المركزية، تصبح الإدارات النوعية هي الدولة. وحين يغيب الدعم الاتحادي، يصبح تعظيم الموارد الذاتية واجبًا سياديًا لا خيارًا ماليًا. إن ما قامت به إدارة البترول ليس مجرد توفير وقود، بل هو توفير أكسجين لولاية رفضت أن تختنق. وهي اليوم تستحق أن تُوصف بأنها قلب مالية الجزيرة النابض، وشريان الحياة الذي أبقى مشروع تطبيع الحياة ممكنًا.
يبقى السؤال للمركز: إلى متى تُترك ولاية بحجم الجزيرة لتتدبر أمرها بإداراتها؟ وإلى متى يُطلب من إدارة بترول أن تقوم بدور وزارة مالية اتحادية؟ الإنصاف يبدأ بالاعتراف، والدعم يبدأ بالتوزيع العادل.




