مقالات

​رمضان محجوب.. يكتب: أنواء الروح…. شهادة قلم عاصر الانكسار. الحلقة الثامنة والعشرون نفير الثبات

​▪️ قضت قرية “طيبة الشيخ عبد الباقي” تلك الليلة -التي تلت اجتياح الأوباش- وهي تتنفس بصدور ضائقة، وجلة، حذرة، كأنما تجلس على حد سكين؛ تترقب الشر المستطير الذي كانت تهمس به الرياح القادمة من “مدني”؛ فقد فارقها الأمان القديم وحلت محله (هبوبة) ريبة جعلت العيون لا تذوق النوم، والقلوب لا تهدأ، والأنفاس تتلاحق مع كل خبطة مريبة خلف الجدران الطينية، بانتظار فجر لا يعلم سره إلا الله، بينما كانت القرية تتهيأ لسيناريوهات الفجيعة التي أطلت برأسها في الأفق الكالح، وتحولت البيوت التي كانت مشرعة الأبواب إلى حصون مغلقة يملؤها التوجس، حيث امتزجت في الفضاء رائحة الخوف برائحة (الطين) والقش المبلل بالندى الحزين.
​▪️ مع أول خيوط الفجر، انكسر صمت المكان عن دوي انفجارات هزت الأرض تحت الأقدام، آتية من جهة “مدني” التي كانت تحترق في صمت، حيث بدأ سلاح الجو ضربات قوية لتكسير شوكة مليشيا الجنجويد وقوتها الصلبة، تلك التي تحصنت بعربات “التاتشر” المجهزة بمدافع (الرباعي) المضادة للطيران؛ فامتزج النحيب المكتوم داخل البيوت بهدير الطائرات الذي بث في النفوس بصيص أمل وسط أكوام اليأس، وكان صوت المحركات في السماء يبدو لأهل القرية كأنه زئير يحاول استرداد كرامة الأرض المسلوبة، فكان الناس يرفعون رؤوسهم نحو السماء بوجوه شاحبة يكسوها (غبش) السهر، وهم يبحثون عن وميض ينبئ بخلاص قريب.
​▪️ دوي القصف كان يأتي من الجهة الجنوبية الغربية، وتحديداً طريق “مدني – المناقل” الذي استحال في غمضة عين إلى شريان للموت، حيث بدأت أسراب المليشيا تزحف بكثافة نحو “المناقل” بعدما زرعت الرعب في محيط “مدني”، فصارت المنطقة مسرحاً للموت، وغدا صوت القذائف هو اللغة الوحيدة بين السماء والأرض، مخلفة وراءها غباراً يزكم الأنوف ورعباً يسكن المفاصل و(جفلة) لا تبرح القلوب، فيما كانت الارتكازات المنهوبة تنتشر كالفطر السام على جنبات الطريق الحيوي، لتقطع أوصال التواصل بين القرى وتفرض واقعاً مريراً من العزلة، حيث تفوح من الطريق رائحة الإطارات المحروقة ودخان (البارود) الذي خنق أنفاس الريف الوادع.
​▪️ ظل هذا القصف العنيف متواصلاً من الفجر وحتى الظهر، لتبدأ بعده فصول جديدة من التنكيل، حين عاود “الشفشافة” غاراتهم الترهيبية على “طيبة”، مستخدمين أسلوب الحرب النفسية والبلطجة الميدانية، ومستغلين حالة الفوضى العارمة، ليعيثوا في الأرض فساداً ويبرهنوا على أن سياطهم لا تزال تنهش جسد القرى التي لم تكن يوماً طرفاً في (شكّة) كراسي أو جنون بنادق، وكان صلفهم يتبدى في نظراتهم الشرهة وهم يقتحمون الحرمات، يتركون خلفهم في كل زقاق رائحة (الخوف) المقيم، وصدى صرخات الأطفال التي كانت تقابل بضحكات هستيرية تنم عن غياب كامل للضمير والوازع الإنساني.
​▪️ دخلوا القرية بصلفهم المعهود، نحو خمسة عشر فرداً على متن عربتين نهبوهما من “مدني” وثلاث (مواتر) تنفث الغدر، وبذات الأسلوب الجبان، أطلقوا الرصاص الطائش في مدخل القرية وسوقها الهادئ، ونهبوا هواتف المواطنين بالقوة، واقتلعوا عدداً من الجوالات من محل تجاري، قبل أن يفروا مذعورين حين فزع رجال القرية هبة رجل واحد نحو السوق؛ فكانت الشجاعة المجرّدة تصادم الرصاص بصدور مكشوفة، وفي تلك اللحظة تجلت عزة النفس السودانية، حيث برز شباب مثل “عبد القادر صلاح” و”المهندس محمد الأمين يوسف ” يتقدمون الصفوف بصدور عامرة بالإيمان، يواجهون الموت بـ (عكاكيز) أبنوسية وقلوب لا تعرف الوجل.
​▪️ إثر انسحابهم المخزي، ضجت مكبرات الصوت في المسجد تنادي في عروق الرجال والشباب، وتستنهض النخوة للاجتماع فوراً في فناء “مدرسة الأساس” بالسوق، وفي دقائق تدفقت الجموع من كل صوب؛ شيوخ يجرون خطاهم بوقار حزين، وشباب يغلي (المغص) في صدورهم، وصبيان لم تلوث الحرب براءتهم بعد، ليرسموا في حوش تلك المدرسة خارطة للصمود الشعبي، حيث تعانقت الإرادات وذابت الفوارق أمام هول المصيبة، واتفق الجميع على أن الموت وقوفاً هو الخيار الوحيد، كانت رائحة (الحريق) القادمة من جهة السوق تمتزج برائحة العرق المنصب من جباه الرجال الذين تحزموا بالصبر واليقين.
​▪️ وفي طريقنا للاجتماع، استوقفني منظر صبي صغير، كانت عيناه تفيضان بدمع القهر، ولسانه لا ينطق إلا بالوعيد لهؤلاء الأوباش، كان يتمنى مواجهتهم وهو يقبض بيده الصغيرة على (مطرق) عصا غليظة، ويصرخ بحرقة: “والله لو لاقيت جنجويدي إلا أدقو دق العيش”، قالها رغم التسليح الفتاك، لكنها روح الأرض التي تلبس الإنسان ثوب الفروسية، كان ملمس يده الخشنة وهي تقبض على العصا يشي بقوة كامنة في هذا الجسد الغض، وقسمات وجهه التي لوحتها شمس “الجزيرة” كانت تحكي قصة شعب يرفض أن يمر “الشفشافة” فوق كرامته دون ثمن.
​▪️ داخل المدرسة العريقة، التي خرجت أجيالاً نهلت العلم، جرى نقاش حول هجمات المليشيا وكيفية كسرها بما توفر من عزيمة، فتم الاتفاق على تقسيم الشباب لمجموعات ميدانية، مع اتخاذ تدابير وقائية بفتح “الترع” وكسر (القناتي) عند المداخل الرئيسية، لخلق عوائق طينية تعطل حركة العربات وتصعب التسلل، وحين جرت المياه في الجداول الجافة، انبعثت رائحة (الطين) المعتق، وهي الرائحة التي طالما ارتبطت عند أهلنا بالخير والزراعة، لكنها اليوم كانت “رائحة الدفاع”؛ رائحة الأرض التي ترفض الغرباء وتتمسك بأبنائها الذين سهروا يحرسون مداخلها بمصابيح ضعيفة وعزائم قوية.
​▪️ بدأ العمل فوراً لإنشاء ارتكاز كبير عند المدخل الشرقي (الكوبري)، ووُزعت المناوبات على أربع مجموعات، كل مجموعة ترابط ست ساعات، كما جرى الاتفاق على نظام إنذار يعتمد على (صفّارات) يتردد صدى صوتها في القرية لتنبيه الناس، وكان الشباب يتسابقون للمرابطة رغم شح الإمكانيات، بل إن بعضهم كان يأتي بزاده (عصيدة) أو (كسرة) ليقتسمها مع رفاق الثغر، مما خلق حالة من اللحمة الوطنية الفريدة، حيث تحول “الكوبري” إلى رمز للصمود، يفوح منه عبق (الجبنة) المغلية على نار الحطب، التي كانت رفيقة الشباب في ليالي الرباط الطويلة والباردة.
​▪️ عاش رجال وشباب “طيبة” الشهر الأول في حالة رباط مقدس، ساهرين عند الثغور لصد الأوباش، وقد أفلح هذا التكاتف كثيراً في لجم الخطر، إلا في حالات نادرة تسلل فيها بعض الأوغاد عبر (سناديد) أو مسالك ضيقة لم تدركها التأمينات الأولى نظراً لاتساع رقعة القرية، ولكن حتى هذه التسللات كانت تُجابه برد فعل سريع، مما جعل “طيبة” تبدو في نظر المليشيا كأنها عش للدبابير، وكان صوت (الآذان) في الفجر يمنح المرابطين طاقة روحية هائلة، ويمحو عن وجوههم تعب السهر، وهم يتنفسون نسيم الصباح الممزوج برائحة “الترع” المفتوحة.
​▪️ وفي قمة ذلك الصمود، وذات ظهر، هاجمت أعداد من المليشيا من كل جانب، ووصلوا بوقاحتهم حتى (مسيد) الشيخ الريح، خليفة الطريقة العركية القادرية، في مشهد يهز الوجدان، وكاد “الحيران” أن يشتبكوا معهم في مواجهة دامية، لولا حكمة الشيخ الذي تدخل في الوقت الحرج، كان مشهد “الحيران” بملابسهم البيضاء التي خالطها غبار الطريق، وهم يمسكون (بالسُّبحات) في يد والعصي في الأخرى، يمثل قمة التناقض بين نورانية المكان وبربرية المهاجمين، حيث كانت رائحة (البخور) العدني تفوح من المسيد لتصادم رائحة البارود والصلف التي جلبها الأوباش معهم.
​▪️ كنا في ظهر ذلك اليوم العصيب نحو خمسة عشر رجلاً، نكدح تحت شمس حارقة لكسر (جدول) في مدخل القرية الشمالي الغربي، لسد الطريق أمام القادمين من جهة “المسلمية”، وبينما كان العرق يتصبب منا والجهد يبلغ مداه، لاحت لنا من بعيد عربة “صالون ” تنهب الأرض نهباً وتزمجر بمحركها في تحد سافر لجهدنا البسيط، كانت حرارة الأرض تحت أقدامنا تحرقنا، لكن حرقة قلوبنا على الوطن كانت أشد وأقوى، فواصلنا الضرب بالمعاول في تسابق مع الزمن، وصوت ارتطام المعول بالأرض اليابسة يوقع لحن الثبات في فضاء الخلاء الواسع.
​▪️ كان على متنها أربعة جنود مدججين بالسلاح، يرتدون بزة الغدر ويشيرون إلينا بتهديد ووعيد، وكان منظرهم وهم (يعمرون) السلاح في وجوهنا كفيلاً بهز أعتى القلوب، إذ صار الموت قاب قوسين أو أدنى، والمسافة بيننا وبين الرصاص أمتار قليلة، بينما نحن لا نملك غير معاولنا وإيماننا، كانت ملامحهم القاسية المغبرة تعكس روحاً ضالة، وصوت “تعمير” السلاح كان يخدش صمت المكان كأنه صرخة مشؤومة، وفي تلك اللحظة شممنا رائحة الموت وهي تقترب مع غبار العربة المندفعة نحو صدورنا المكشوفة.
​▪️ في تلك اللحظة الحرجة، تباينت الآراء؛ رأى بعض الإخوة -تحت وقع الخوف من (الرصاص) وصوت الجيمات المشرعة- أن الحكمة تقتضي إفساح الطريق لهم حقناً للدماء، فالحياة غالية والعدو لا يعرف الرحمة، والموقف لم يكن يحتمل التأخير قبل أن ينطق الرصاص بلغة الدم، كانت نظرات “التردد” تلمع في بعض العيون، والأنفاس المكتومة تعلو وتنخفض في صراع رهيب بين غريزة البقاء ونداء الواجب، فالموت لم يكن مجرد فكرة، بل كان فوهة بندقية باردة تشرئب نحو أعناقنا.
​▪️ لكني، ومعي الأخ خالد مأمون ونفر من الشيوخ (الصناديد)، كان لنا رأي آخر، نبع من طينة هذه الأرض التي لا تقبل الهوان، وقررنا أن مواجهة الإعصار بصدورنا أكرم من الانحناء له، حتى لو كان الثمن هو الروح، تبادلنا النظرات في صمت مهيب، وعيوننا معلقة بالعربة التي اقتربت منا حتى لم يعد بيننا وبين الموت شبر، قبضتُ على معولي بقوة حتى ابيضت مفاصل يدي، وشعرت ببرودة (الثبات) تسري في جسدي، بانتظار المواجهة التي ستحدد مصير “طيبة” في تلك الظهيرة القائظة…
​نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى