
■ لم يأتِ المؤتمر الصحفي الذي عقده وزراء الخارجية والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة ليكون مجرد ظهور إعلامي عابر، بل عكس قرار الدولة السودانية بالخروج عن صمتها الطويل ووضع النقاط على الحروف، في تحول واضح نحو مواجهة التحديات المحدقة بكل ثقلها السيادي وبلا مواربة.
■ ومع هذا الموقف الجديد، انتهى زمن الحياد الذي كانت تدعيه بعض الجهات. إذ وضعت الاتهامات المباشرة لكل من الإمارات وإثيوبيا حداً لسياسة الدبلوماسية الهادئة، وحمّلت هذه الأطراف مسؤولية واضحة عن دعم التخريب واستباحة الأراضي السودانية.
■ هذا الهجوم لم يطلق من فراغ، فقد استند البيان العسكري إلى حقائق تقنية وميدانية دامغة. حيث صار رقم المسيرة S88 وتحديد إحداثيات انطلاقها من مطار بحر دار وثائق إدانة لا تقبل التشكيك، مما ضيق الخناق على أي محاولات للنفي أو المراوغة.
■ وبناءً على هذه الحقائق، جاء قرار استدعاء السفير من أديس أبابا ليؤكد أن السودان لم يعد يحتمل سياسات حسن الجوار الزائفة. وهي رسالة صريحة بأن السيادة الوطنية خط أحمر، وأن ثمن التآمر ضد استقرار البلاد سيكون باهظاً ومكلفاً.
■ وفي مسار موازٍ، بدأت التحركات القانونية تجاه مجلس الأمن الدولي عبر ملفات موثقة تصنف استهداف المنشآت المدنية كجرائم حرب. بهدف عزل القوى الداعمة للمليشيا دولياً، وتوضيح أن ما يحدث هو عدوان خارجي ممنهج يتجاوز حدود الصراع المحلي.
■ ورغم الضغوط والتهديدات، أظهرت الجبهة الداخلية تماسكاً كبيراً. وكان الإصرار على تشغيل مطار الخرطوم رداً عملياً على محاولات كسر هيبة الدولة، وبرهاناً على أن المؤسسات السودانية قادرة على استعادة زمام الأمور وإدارة الأزمة بفاعلية.
■ هذا الصمود اعتمد بشكل أساسي على يقظة الأجهزة الأمنية والعسكرية التي كشفت مخططات غرف العمليات التي تدار من الخارج. وقد أثبتت كفاءة الدفاعات الجوية في التعامل مع المسيرات أن الجيش يمتلك القدرة التقنية لحماية الأجواء والرد في الميدان.
■ هذا النجاح العسكري تزامن مع إرادة شعبية صلبة. حيث اعتبر المواطنون أن العودة إلى منازلهم في العاصمة هي الرد الأقوى على الإرهاب الجوي، محولين التمسك بالأرض إلى موقف نضالي يفشل خطط إفراغ الخرطوم من سكانها وتغيير هويتها.
■ ورغم حدة السجال، أظهرت القيادة السودانية نضجاً سياسياً حين ميزت بين الشعوب المجاورة وبين الأنظمة المتورطة في دعم الحرب. في خطوة تهدف لتنبيه القوى الإقليمية بأن إشعال الفوضى في السودان لن يسلم منه أحد وستطال نيرانه الجميع.
■ عموما، تبنى هذه التحركات مرحلة جديدة من الردع وحفظ الكرامة. فلم يعد السودان يكتفي بموقف الدفاع، بل بات يملك المبادرة في الرد بالوقت والمكان المناسبين، مؤكداً أن السيادة تُنتزع بالثبات والمواجهة ولا تُمنح عبر طاولة المفاوضات المهزوزة.




