
■ ساد صمتٌ واجمٌ وجوه الجميع، صمتٌ يشبه انقطاع الأنفاس، حين تهاوت مدينة ود مدني في سقطة لم تكن لتخطر على قلب بشر. تلك “الجميلة” التي كانت ملاذاً، ذبلت في غمضة عين، وتحولت القرى الوادعة التي كانت تطوقها كالسوار إلى مراكز إيواء شاسعة ومفتوحة على المجهول. فتحت القرى صدورها قبل أبوابها لاستقبال آلاف الهاربين من جحيم “تتار” هذا العصر، الذين اجتاحوا المدينة بمواترهم التي تنفث الموت وعرباتهم التي تقطر شراً، لتتبدل سكينة الأرض إلى حالة من الترقب المشحون بالخوف مما قد تفعله ساعات الغدر القادمة في أجساد الضعفاء.
■ لم يجد سكان الأحياء الطرفية بمدني بداً من الهرب؛ تركوا دياراً ألفوها سنوات طويلة، وودعوا حوائط ضمت ذكرياتهم. كان الوجع أشد على أولئك الذين تقع منازلهم على قوارع الطرق العامة؛ إذ تحولت تلك البيوت بين ليلة وضحاها إلى أهداف وغنائم، ومقار لسكن قادة المليشيا الغازية. اتخذ الأوباش من بيوت الناس ستراً وملاذاً لارتكازات الموت التي زرعوها كالشوك في خاصرة الطريق، محولين حياة الناس الآمنة إلى كابوس مرعب لا ينجلي، حيث صار الخروج من الباب مغامرة قد لا يعود منها صاحبها.
■ كانت قرية “طيبة الشيخ عبد الباقي”، الرابضة بشموخ في الشمال الغربي لمدني على بعد ثمانية وعشرين كيلومتراً، تترقب قدرها المحتوم بقلب مؤمن. فالطريق القومي الذي يربط الخرطوم بمدني المنكوبة يمر عبر مسامها، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع طلائع المليشيا. وفي ذلك التاريخ الذي انغرس نصله في ذاكرتنا، الثامن عشر من ديسمبر للعام ألفين وثلاثة وعشرين، وطأ الغزاة أرض القرية الطاهرة، ليعلنوا بداية الفصل الأكثر قتامة في تاريخ هذه المنطقة التي لم تعرف غير صوت الأذان وحلقات الذكر.
■ طوال تلك الساعات الثقيلة التي أعقبت سقوط الحصن الحصين وقبل أن تقتحم المليشيا حرمة القرية، كانت “طيبة” كالأم الرؤوم؛ فتحت ذراعيها لاستقبال عشرات الأسر التي فرت من لهيب النيران التي أشعلها الغزاة في كل ركن من أركان مدني. غصت المدارس بالنازحين، واكتظت المنازل حتى ضاقت بأهلها ليتسع صدرها للقادمين، وتوحد الجميع في مصير واحد ووجع مشترك. هناك، كرر أهل القرية ملحمة كرمهم الفطري الذي بذلوه من قبل لنازحي الخرطوم، فاقتسموا معهم اللقمة “المقسومة” وبحثوا معهم عن أمانٍ صار عزيزاً في زمن التفلت.
■ عند حلول وقت الظهر من يوم الثلاثاء التاسع عشر من ديسمبر، وبينما كان الوجوم يلف القرية، كنا نجلس نتسامر أمام “الدكان” فوق برش الصلاة، بعد أن أدينا الفريضة في جماعة، والناس يحاولون استيعاب هول ما جرى لمدينة ظنوها يوماً عصية على الاختراق ومحمية بجيش وأسوار. شق ذلك الهدوء الجنائزي صوت ثلاث رصاصات غادرة، انطلقت عند مدخل الجسر من الجهة الشرقية. وفي تلك اللحظة، جاءنا راكضاً “حمودي”، ذلك الرجل البركة، وكان قد حضر الواقعة في “سوق القرية” الذي يبعد حوالي نصف كيلومتر من مكان جلوسنا؛ أقبل نحونا وأنفاسه تتلاحق، وبصوت مخنوق من هول المفاجأة والوجع، قالها ليفجر بها صمت المكان: “الدعم السريع دخل طيبة..!!”.
■ أخبرنا “حمودي” والذهول يغلف نبرته، أن الأوباش أطلقوا رصاصاتهم الأولى عند مدخل الجسر، ثم أتبعوها بزخات أخرى في قلب سوق “طيبة” لترويع العزل. كانت كلماته كالمسامير التي تُدق في نعش السكينة، معلنةً بكل قبح أن وصول السموم الجنجويدية لرحاب “طيبة الشيخ عبد الباقي” الطاهرة قد وقع فعلاً، وأن الحرب لم تعد أخباراً تُحكى، بل أصبحت واقعاً يصدم الأعين.
■ هاجت القرية وماجت في لحظة لم يمحُها الزمن؛ اختلطت صرخات النساء في البيوت مع دعوات الشيوخ. كان الخوف على العرض هو الهاجس الأكبر، بينما ارتفع صوت التكبير والنداء من مئذنة الجامع العتيق، لم يكن نداءً للصلاة هذه المرة، بل كان استنفاراً للرجال للخروج والذود عن ساحتهم الروحية وكرامتهم. في ذلك المشهد، تجلت ذروة الصدام بين قيم الناس الراسخة والشهامة السودانية وبين البربرية الوافدة التي جاءت لتسلب الناس أمنهم وما تبقى لهم من رمق في سنوات التيه والشتات.
■ خمسة من الأوباش، كانوا يمتطون دراجات بخارية (مواتر) تعوي محركاتها بصوت مزعج، هم من دشنوا ذلك الدخول المقيت. انتشروا في طرقات “طيبة” مثل الوباء، يطلقون النار في الهواء لإرهاب الناس، معلنين عن تفشي هذا البلاء في قرى غرب مدني. كانت دراجاتهم تئن تحت ثقل الشر الذي تحمله، معلنةً بداية عهد من التنكيل والترويع استهدف قرى لم تشق عصا الطاعة يوماً ولم تكن طرفاً في صراع سياسي، بل كانت مجرد مأوى لمن لا مأوى له.
■ في تلك اللحظة، تحركت في داخلي غريزة البحث عن الحقيقة، ممزوجةً بخوف فطري على الأهل والدار. خرجت إلى الشارع العام فور سماع صرخة “حمودي” وطلقات النار لأتبين الخبر، وسط صياح الجيران والمشفقين الذين نادوني بضرورة العودة والاحتماء خلف الجدران خشية رصاص الغدر الذي لا يفرق بين شيخ وطفل. لكنني كنت أرد عليهم ببرود غريب، هو برود من تجرع هذه المرارة من قبل؛ فقد رأيت هذا الفيلم القبيح بكامل فصوله ووجعه في منطقة “الصفوة” بأم درمان، ولم يعد في النفس متسع لدهشة جديدة من أفعال هؤلاء.
■ جلت ببصري في شوارع “طيبة”، ورأيت كيف ينتهك هؤلاء الإرهابيون وقار الطرقات؛ كانوا يمتشقون البنادق بزهو زائف لا يليق إلا بمن فقد بوصلة الأخلاق، يتمايلون فوق دراجاتهم اللعينة، بينما تسكن الرهبة نفوس المواطنين العزل الذين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام عدو لا يعرف حرمة. كان المنظر صادماً للنفس، إذ كشف عن وجه قبيح لا يقيم وزناً لمسيد صوفي أو قدسية إنسان، وجه جاء ليمحو كل ما هو جميل وأصيل في حياتنا.
■ رغم القلق، إلا أن منظر خروج الرجال من بيوتهم وهم يحملون العصي و”المطارق” وما طالت أيديهم من أدوات بسيطة، استجابةً لنداء الواجب، بعث في نفسي مشاعر الفخر. رأيت في عيونهم إصراراً غريباً رغم الفارق الهائل في السلاح؛ فالعدو يحمل الكلاشينكوف وهم يحملون إرادة البقاء. كانت تلك الوقفة هي الدرع الوحيد المتبقي أمام آلة البطش، وكان وقوفهم صفاً واحداً أمام “المواتر” يعكس معدن السوداني الأصيل الذي قد ينحني للعاصفة لكنه أبداً لا ينكسر.
■ جاب هؤلاء الأوباش أطراف القرية بصلفهم المعهود، يطلقون الرصاص بجنون لتمزيق صمت الظهر، محاولين كسر شوكة أهل “طيبة” قبل أن يلوذوا بالفرار من حيث أتوا. لم يتحملوا مشهد الزحف البشري الغاضب؛ فقد تركوا خلفهم عربة أحد المواطنين التي فشلوا في نهبها تحت وطأة تدافع الرجال نحوهم بصدور عارية وقلوب عامرة بالإيمان. فروا هاربين عند مدخل الجسر حين أيقنوا أن هذه القرية ليست صيداً سهلاً، وأن العزيمة أقوى من البارود.
■ كانت تلك المواجهة أول “هبّة” حقيقية للمواطنين العزل في قرى غرب الجزيرة. أثبت فيها أهل “طيبة” أن الروح الصوفية التي تشربوها من مسيد الشيخ عبد الباقي لم تكن يوماً تدعو للاستسلام للظلم، بل كانت وقوداً للمقاومة الشعبية التلقائية. بدأت تلك المقاومة بصدور عارية لكن بعزيمة لا تلين، لتسجل في دفاتر التاريخ أولى صفحات الصمود في وجه هذا التمدد السرطاني الذي أراد ابتلاع الأرض والإنسان.
■ إن ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد حادثة عابرة تنتهي بانتهاء الطلقات، بل كان زلزالاً نفسياً عنيفاً هز أركان المنطقة بأكملها. أيقن الجميع حينها أن الحرب لم تعد تسمع في الراديو أو تشاهد في التلفاز، بل وصلت إلى عتبات بيوتهم. أدرك المزارعون والبسطاء أن القرى والمزارع باتت في عين العاصفة، مما تطلب منهم لمّ الشتات وجمع الكلمة لمواجهة واقع يفرض عليهم خيارين لا ثالث لهما: إما الدفاع عن النفس والمال والعرض، أو الضياع في دروب النزوح المظلمة.
■ ترك الغزاة خلفهم في ذلك الفرار الأول غصة مريرة وتساؤلات لا تنتهي؛ فإذا كان هذا فعل حفنة صغيرة من الأوباش، فكيف سيكون الحال إذا ما تدفقت الأرتال والجيوش المدججة؟ ومع ذلك، ظل مشهد هروبهم أمام العصي وصيحات التكبير يمنح الناس بصيصاً من الأمل. تأكد للجميع أن هذه القوة مهما بلغت من العتاد، تظل هشة وجبانة أمام إجماع الناس واجتماع كلمتهم على رفض العدوان والتمسك بالأرض.
■ عدت إلى المنزل في تلك الليلة وأنا أسترجع تفاصيل رحلة الوجع من “الصفوة” التي سكنت ذاكرتي. أيقنت أن الجرح واحد والعدو واحد، وإن تبدلت الأسماء أو اختلفت الجغرافيا. المأساة السودانية باتت فصولاً مكررة يكتبها ذات المجرم بمداد من دماء الأبرياء. لكن في “طيبة” كان الوجع له طعم آخر، فهي قرية قامت منذ نشأتها على إطعام الطعام وإفشاء السلام وتدريس القرآن، ولم يتوقع أهلها يوماً أن يطرق بابهم من لا يعرف للسلام طريقاً ولا للقرآن حرمة.
■ سهرت القرية في تلك الليلة على وقع الترقب القاتل؛ لم يغمض للرجال جفن، وتشكلت لجان حراسة عفوية عند المداخل والمخارج. بدأت قصص البطولة التي حدثت في الظهر تروى في المجالس لتخفف من روعة الصدمة وتشد من أزر الضعفاء. كان مشهداً إنسانياً فريداً؛ إذ انصهر النازحون الذين وصلوا لتوهم مع أهل الدار في خندق واحد، مدركين بوعيهم الفطري أن المصير واحد وأن هذا العدو لا يستثني أحداً في طريقه لتدمير كل ما هو حضاري وإنساني.
■ كشفت الساعات التي أعقبت ذلك الهجوم الغادر عن معدن أصيل لدى المواطن السوداني؛ فبينما كانت أجهزة الدولة تتراجع أو تنسحب من بعض المواقع، كان المواطن يتقدم ليملأ ذلك الفراغ بجسده وروحه. لم تكن “طيبة” إلا نموذجاً مصغراً لما سيحدث لاحقاً في بقية قرى الجزيرة التي قررت، بوعي عفوي، أن تدافع عن شرفها بما ملكت من إيمان ومن قوة محدودة، رافضةً الانكسار أمام جبروت السلاح.
■ كانت الرهبة تسكن النفوس، نعم، لكنها لم تكن رهبة الخوف من الموت، بل كانت رهبة المسؤولية العظيمة أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة. الوقوف في وجه هؤلاء لم يعد مجرد موقف سياسي، بل صار فريضة شرعية وأخلاقية لحفظ النفس والمال والعرض. تجلى ذلك بوضوح في تلك النفرة الشعبية التي أرغمت الأوباش على التراجع وترك الغنائم خلفهم، لتبدأ “طيبة” رحلة طويلة من الصمود نروي تفاصيلها في الحلقات القادمة…. نواصل.


