الاقتصادية

ريم يونس تكتب : عبقرية أبوشوك.. كيف أعاد وزير مالية الجزيرة تعريف الخزينة في زمن الحرب

خاص: المحور نيوز

في أزمنة الانهيار، تبحث الدول عن رجل. وفي ولاية الجزيرة، كان الرجل هو عاطف محمد إبراهيم أبوشوك وزير المالية. لكن عبقريته لم تكن في اسمه، بل في أنه استبدل “دفتر الأستاذ” بـ “خريطة المعركة”. أبوشوك لم يدر وزارة مالية. أدار اقتصاد حرب. والفرق بينهما كالفرق بين محاسب وجَرّاح.
القاعدة الذهبية في وزارات المالية “لا صرف إلا ببند”. أبوشوك كسر القاعدة ليبني قاعدة جديدة: “لا بند إلا لحياة”. في عهده، تحوّلت الموازنة من وثيقة جامدة إلى غرفة طوارئ متحركة. أوقف كل صرف لا يطعم جائعاً، ولا يضيء شارعاً، ولا يشغّل مستشفى. نسبة كبيرة من المال ذهبت للإعمار والتنمية رغم الحرب. هذه ليست شطارة محاسب، هذه جراحة اقتصاد في غرفة عمليات بلا تخدير.
معظم وزراء المالية في الأزمات يرون التاجر بقرة حلوب. أبوشوك رآه شريك نجاة. أطلق حزمة لم يسمع بها السوق السوداني من قبل: إعفاءات للمتضررين، تأجيل المتأخرات، تمويل أصغر للباعة، حماية من المضاربات. النتيجة سوق مدني الكبير لم يمت. عاد ينبض. تاجر يقول للمحور نيوز: “أول مرة نحس الوزارة بتشتغل معانا ما علينا”. هذه هي عبقرية الثقة: حين تفهم أن إنقاذ التاجر هو إنقاذ المواطن.
وزراء الخزينة يخافون العجز. أبوشوك كان يخاف الجوع أكثر. في عز شح السيولة، موّل الموسم الزراعي بالتقاوي والسماد والجازولين وصيانة قنوات الري. ثم اشترى المحصول بأسعار تشجيعية ليكسر ظهر السماسرة. المعادلة عنده مقلوبة بالمعنى الصحيح: لا استقرار مالي بلا استقرار خبز. لذلك أنقذ الموسم، وأنقذ معه مدني من مجاعة محققة.
الحرب بيئة الفساد المثالية: فوضى، إيصالات ورقية، لا رقابة. أبوشوك أدخل التحصيل الإلكتروني في المحليات الآمنة وهو تحت النار. لماذا؟ لأن اللص لا يسرق من خزنة يراها الجميع. الرقمنة لم تكن رفاهية، كانت درعاً لحماية مال الناس. وهذا هو الفرق بين من يدير مالاً، ومن يحرس أمانة.
عبقرية أبوشوك ليست في أنه صرف، بل في كيف ولماذا صرف. لم يكن وزير جباية، كان وزير صمود. لم يكن حارس خزنة، كان مهندس أمل. في زمن انهارت فيه وزارات، قدّم نموذج الجزيرة: أن الدولة تبقى حيّة ما دام فيها عقل يفكر للناس، لا عليهم. والتاريخ سيكتب: في حرب السودان، كان هناك وزير مالية اسمه أبوشوك.. جعل الخزينة تتنفس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى