الاقتصادية

ما بعد الطوارئ: مالية الجزيرة تضع حجر الأساس لإعمار ما بعد الحرب

تقرير : ام امين

الحروب لا تُقاس فقط بما تدمره، بل بما تبنيه من عزائم. والولايات لا تُمتحن في قدرتها على الصمود تحت القصف، بل في قدرتها على النهوض من الرماد. ولاية الجزيرة التي قاتلت لتبقى، تقاتل اليوم لترتقي. ووزارة ماليتها التي أدارت اقتصاد الطوارئ ببراعة، تنتقل الآن إلى مهمة أعقد: هندسة اقتصاد التعافي. من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، ومن إطفاء الحرائق إلى بناء المدائن. هذا هو التحدي، وهذا هو الوعد.

إن الفرق بين الإغاثة والإعمار كالفرق بين من يضمد جرحاً ومن يزرع طرفاً جديداً. الأولى ضرورة، والثانية حضارة. ومالية الجزيرة التي أثبتت أنها ضمير الولاية في زمن المحنة، تريد أن تكون عقلها في زمن البناء. لا تريد أن يُذكر التاريخ أنها أطعمت الناس فحسب، بل أنها أعادت لهم حلمهم بدولة تستحق الحياة.

أولى بشائر ما بعد الطوارئ هي أن الوزارة لم تنتظر توقف الحرب كلياً لتبدأ التخطيط. فالإعمار لا يبدأ بعد صمت المدافع، بل يبدأ في اللحظة التي تقرر فيها أنك لن تموت. ولهذا، شرعت الوزارة في إعداد وثيقة إعمار الجزيرة بالشراكة مع الخبراء والجامعات والقطاع الخاص. الوثيقة لا تكتفي بحصر الأضرار، بل تحولها إلى فرص استثمارية. كل مدرسة مهدومة هي مشروع لبناء مدرسة ذكية، وكل سوق محروق هو فرصة لإنشاء سوق حديث، وكل قناة مدمرة هي مدخل لنظام ري متطور. الوزارة اليوم تهيئ الأرض القانونية والمالية لاستقبال رأس المال الوطني والأجنبي. تُعد دراسات الجدوى، وتُجهز الخارطة الاستثمارية، وتُبشر بصندوق إعمار الجزيرة كوعاء سيادي جامع يجذب المنح والقروض والتبرعات، ويُوجهها بشفافية نحو الأولويات.

الفساد هو لغم الإعمار. وهو ما يقتل المشاريع قبل أن تولد. ولهذا، تضع الوزارة الرقمنة على رأس أولويات ما بعد الحرب. التحصيل الإلكتروني، والدفع الإلكتروني، والموازنة المفتوحة، والتعاقدات المنشورة. الهدف هو بناء خزينة زجاجية يراها كل الناس، ويثق بها كل مستثمر. حين يعلم المواطن أين يُصرف كل جنيه، سيدفع جنيهين عن طيب خاطر. وحين يعلم المانح أن أمواله لا تتسرب، سيضاعف دعمه. الرقمنة ليست ترفاً تقنياً، بل هي أسمنت الثقة الذي لا يقوم البناء بدونه. ومالية الجزيرة تعي أن معركتها القادمة هي معركة الورق، ومعركة الشباك، ومعركة الإجراء الذي يقتل الحلم.

مشروع الجزيرة لم يكن يوماً مجرد حواشات. كان فكرة، وكان دولة داخل دولة. وإعماره لا يعني إعادة القنوات إلى ما كانت عليه، بل يعني تجاوزها إلى نموذج جديد. نموذج يقوم على الصناعات التحويلية، وعلى القيمة المضافة، وعلى الشراكة بين المزارع والمصنع والسوق. الوزارة تخطط لتحفيز إنشاء مدن صناعية زراعية حول المشروع. مصانع للغزل والنسيج، ومعاصر للزيوت، ومطاحن للدقيق، ومصانع تعليب للخضر والفاكهة. تريد أن يتوقف القطن عند بوابة المصنع لا عند بوابة الميناء. وأن يتحول القمح إلى خبز ومكرونة داخل الولاية. هذا هو الطريق الوحيد لتحويل الجزيرة من مخزن غلال إلى قاطرة اقتصاد حقيقية. والخزينة هنا ستكون هي المحفز، عبر الإعفاءات الذكية، والأراضي المرفقة، والشراكة في البنى التحتية.

كل هذا البناء لا معنى له إن لم يُبن الإنسان. ولهذا، تضع الوزارة رأس المال البشري في قلب خطة التعافي. تمويل تأهيل الشباب الذين فقدوا سنوات الدراسة، ودعم مراكز التدريب المهني لتخريج فنيي الإعمار، وكفالة العلاج النفسي لضحايا الحرب، ورعاية أسر الشهداء كأولوية سيادية. لأن الوطن لا يُبنى بالطوب، بل يُبنى بالعقول السليمة والقلوب المطمئنة.

إن الرسالة التي تريد وزارة مالية الجزيرة إرسالها اليوم هي رسالة طمأنة. طمأنة للمزارع أن أرضه لن تبور، وللتاجر أن سوقه لن يكسد، وللموظف أن حقه لن يضيع، وللمستثمر أن ماله في أمان، وللمواطن أن غده سيكون أفضل من أمسه. لقد نجحت الوزارة في امتحان الطوارئ حين أبقت الولاية واقفة. واليوم تقف أمام امتحان التاريخ: هل تستطيع أن تجعلها طائرة؟ المؤشرات تقول نعم. فالذي أدار الشح بكل هذه الكفاءة، قادر على إدارة الوفرة بكل هذه الحكمة. والذي حوّل الخزينة إلى مشروع وطن في زمن الخراب، قادر على أن يحول الوطن كله إلى مشروع نهضة في زمن السلام.

الطريق طويل، والتحديات جسام، والجراح لم تندمل بعد. لكن الحجر الأول قد وُضع. حجر من الثقة، وحجر من التخطيط، وحجر من الإرادة. وبين كل حجر وحجر، هناك عرق، وهناك دمع، وهناك دم. الجزيرة تتعافى. والخزينة التي كانت مظلة في زمن العاصفة، ستكون اليوم هي البوصلة نحو الميناء. ميناء الإعمار، وميناء الكرامة، وميناء السودان الذي نحلم به. وهذا هو الختام الذي هو بداية. بداية الحكاية التي سيكتبها البناء، بعد أن كتبها الصمود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى