التقارير

اختلال التمويل الاتحادي يعمّق أزمة ولاية الجزيرة

في قراءة تحليلية لواقع المالية العامة بولاية الجزيرة، كما عكسته إفادات وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة الأستاذ عاطف إبراهيم أبو شوك خلال لقاء صحفي بمكتبه في مقر الوزارة بمدينة ود مدني، تتكشف ملامح أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الأرقام إلى عمق بنية النظام المالي في السودان. فالمشكلة لم تعد محصورة في ضعف الموارد، بل في اختلال العلاقة بين المركز والولايات، حيث يتراجع الدعم الاتحادي في وقت تتصاعد فيه التزامات إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية، ما يضع الولاية أمام معادلة مالية معقدة تدار بإمكانات محدودة وتوقعات مجتمعية متزايدة.

الدعم الاتحادي: جوهر الاختلال المالي

تؤكد إفادات وزير المالية أن التحويلات الاتحادية تمثل الحلقة الأضعف في منظومة التمويل، إذ لم تتجاوز خلال الربع الأول من العام 2026 مبلغ 16.7 مليار جنيه بنسبة تنفيذ بلغت 29% فقط، وهي نسبة تعكس بوضوح محدودية التزام المركز تجاه الولايات. كما أن هذه التحويلات ظلت ثابتة منذ العام 2023 دون تحديث، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل والخدمات.

هذا الضعف دفع الولاية، وفقاً لحديث الوزير، إلى التدخل المباشر لسد الفجوة، حيث تتحمل أكثر من ملياري جنيه شهرياً لتغطية عجز المرتبات، وهو ما يعني عملياً انتقال عبء التمويل من الحكومة الاتحادية إلى الحكومة الولائية، في سابقة تعكس خللاً هيكلياً في توزيع الموارد.

الإيرادات: أداء إيجابي بحدود القدرة

وبحسب ما أوضحه الوزير في اللقاء الصحفي، بلغ إجمالي الربط السنوي لموازنة 2026 نحو 670 مليار جنيه، فيما بلغ ربط الربع الأول 167.6 مليار جنيه، تحقق منها فعلياً 120.1 مليار جنيه بنسبة تحصيل بلغت 72%. غير أن هذه النسبة لا تمثل سوى 17% من إجمالي الربط السنوي، ما يعكس تحديات في استدامة الأداء خلال بقية العام.

وتفصيلاً، أشار الوزير إلى أن الوزارات حققت إيرادات بلغت 87.7 مليار جنيه متجاوزة المستهدف، بينما سجلت المحليات 9.6 مليار جنيه فقط بنسبة تحصيل متدنية، في حين بلغت إيرادات الضرائب 5.9 مليار جنيه، لتصل جملة الإيرادات الذاتية إلى 103.3 مليار جنيه بنسبة أداء مرتفعة. ورغم هذا التحسن، يظل تأثيره محدوداً في ظل ضعف الدعم الاتحادي.

الصرف الجاري: عبء المرتبات في صدارة التحديات

أوضح الوزير أن المرتبات تُصرف بانتظام، لكنها دون أي زيادات منذ العام 2023، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية. كما أشار إلى أن تطبيق منشورات اتحادية لزيادة الأجور، مثل بدل غلاء المعيشة، قد يضيف عبئاً يفوق 7 مليارات جنيه على موازنة الولاية، دون أن يصاحب ذلك دعم مالي من المركز.

وتتحمل الولاية كذلك، بحسب إفاداته، التزامات إضافية تشمل بدل الوجبة ومتأخرات المعاشات، ما يجعل بند الأجور يستهلك جزءاً كبيراً من الموارد، ويحد من القدرة على التوسع في الإنفاق التنموي.

الإنفاق التنموي: توسع تفرضه الحاجة وتقيّده الموارد

في حديثه، أشار الوزير إلى أن الولاية نفذت مشروعات تنموية خلال العام 2025 والربع الأول من 2026 بتكلفة بلغت نحو 63 مليار جنيه، تم سداد حوالي 33.7 مليار جنيه منها بنسبة 53%، وهو ما يعكس فجوة تمويلية بين الالتزامات والتنفيذ الفعلي.

هذا التوسع في المشروعات، خاصة في مجالات المياه والطاقة والخدمات الأساسية، جاء استجابة مباشرة لاحتياجات المواطنين بعد الحرب، لكنه في الوقت ذاته فاق قدرة الموارد المتاحة، ما أدى إلى بطء في تنفيذ بعض المشاريع.

الالتزامات المالية: ضغوط متراكمة

وبيّن الوزير أن الولاية تواجه التزامات مالية كبيرة، من بينها مشروعات طرق تصل تكلفة بعضها إلى 24 مليار جنيه، مع استقطاعات شهرية تبلغ 1.6 مليار جنيه، إضافة إلى سداد مديونيات سابقة تجاوزت 3.2 مليار جنيه. هذه الالتزامات، وفق حديثه، تضغط على السيولة وتحد من مرونة إدارة الموازنة.

إعادة توزيع الأعباء: المحليات بين الاستقلال والضغط

وفي إطار الإصلاحات، أوضح الوزير أن الولاية قررت تحويل 100% من إيرادات المحليات إليها، مقابل تحملها مسؤولية التسيير وتنفيذ المشروعات. ورغم أن هذا القرار يعزز اللامركزية، إلا أنه ينقل جزءاً من الضغط المالي إلى بعض المحليات، التي تعاني أصلاً من ضعف في الإيرادات.

تمويل محلي لقطاعات اتحادية

أحد أبرز ما كشف عنه الوزير هو اضطرار الولاية لتمويل قطاعات يفترض أن تكون اتحادية، مثل الكهرباء والصحة، حيث قامت الولاية بشراء المحولات وزيوتها وتأهيل المستشفيات بمواردها الخاصة، في ظل غياب الدعم الكافي من المركز.

أخيراً

تُظهر خلاصة حديث وزير المالية، كما وردت في اللقاء الصحفي، أن أزمة ولاية الجزيرة ليست مجرد تحدٍ مالي عابر، بل هي انعكاس مباشر لاختلال هيكلي في نظام التمويل الاتحادي. فحين تتراجع التحويلات إلى 29% فقط، وتُترك الولايات لتغطية عجز المرتبات وتمويل البنية التحتية، فإن ذلك يعيد تعريف دور الدولة المركزية ويضع الولاية في مواجهة مباشرة مع أعباء تفوق قدراتها.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب إصلاحاً جذرياً لنظام الدعم الاتحادي، يقوم على التحديث الدوري، والعدالة في التوزيع، وربط التحويلات بالاحتياجات الفعلية. دون ذلك، ستظل ولاية الجزيرة – كما تعكس إفادات وزير ماليتها – تدير اقتصاداً تحت الضغط، وتواجه تحديات التنمية بإمكانات لا تتناسب مع حجم المسؤوليات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى