
لقاء والي نهر النيل د. محمد البدوي عبد الماجد بالمدير التنفيذي لمحلية شندي الحاج بلة سومي بعد مرور مئة يوم على توليه المنصب يتجاوز الطابع البروتوكولي ليصبح محطة تقييم أولية تكشف توجهات الإدارة الجديدة. اختيار مدينة الدامر مكاناً للاجتماع بدل شندي يحمل دلالة واضحة على مركزية القرار ورغبة الوالي في مراجعة الملفات بعيداً عن ضغط الشارع المحلي.
التقرير الذي قدمه المدير التنفيذي يتركز حول ملفات بعينها تعكس أولويات المرحلة الراهنة. تنظيم الأسواق جاء في المقدمة عبر إزالة التشوهات البصرية والمخالفات الهندسية وفتح الطرق الرئيسية. هذا الملف يمس مصالح شريحة واسعة من التجار والباعة ويستعيد جزءاً من هيبة السلطة في الفضاء العام بعد سنوات من التمدد العشوائي. ملف البنية التحتية برز من خلال مشروع إنارة طريق الدسمة حتى رئاسة المحلية بتمويل من مجموعة أصيل القابضة ضمن مسؤوليتها المجتمعية. اللجوء إلى القطاع الخاص هنا يكشف عن شح موارد الدولة وضرورة البحث عن شراكات بديلة لتمويل الخدمات الأساسية.
تأهيل الطرق الداخلية يحتل مساحة مهمة في خطة المحلية. البدء بعشرة كيلومترات من أصل ثلاثين مخططاً لها مع التركيز على طريق حوش بانقا الذي يربط مناطق الإنتاج بطريق التحدي القومي يوضح أن الهدف اقتصادي بالدرجة الأولى. ربط مناطق الإنتاج بالسوق يقلل كلفة الترحيل ويعزز الأمن الغذائي في ولاية تعد سلة غذاء. ملف النفايات لم يكن غائباً فقد استطاعت المحلية من مواردها الذاتية توفير آليات نظافة بتمويل بلغ مئتين وخمسين مليون جنيه. الرقم يكشف حجم التحدي لأن ملف النظافة ظل الحلقة الأضعف في عمل المحليات بسبب كلفة التشغيل العالية والحاجة إلى متابعة يومية.
إشادة الوالي بالعمل الذي وصفه بالكبير تمنح المدير التنفيذي صك اعتماد مبكر في ظل التغييرات المتكررة التي تشهدها المناصب التنفيذية. الوالي يسعى إلى تثبيت نموذج المدير المنفذ الذي يركز على الخدمات بعيداً عن الاستقطاب السياسي. في المقابل يراهن المدير التنفيذي على المشروعات ذات الأثر السريع والمرئي مثل الإنارة وإزالة التعديات. هذه المكاسب السريعة تمنح الإدارة شرعية الإنجاز وتهيئ الرأي العام لتقبل الملفات الأعقد لاحقاً. دخول مجموعة أصيل القابضة على خط تمويل الإنارة يؤكد اتجاه الدولة نحو تفويض جزء من الخدمات للقطاع الخاص تحت مظلة المسؤولية المجتمعية وهو توجه يحتاج إلى رقابة حتى لا يتحول إلى خصخصة مقنعة للخدمة العامة.
رغم الإشادة الرسمية فإن التقرير يغيب عنه الكثير من التفاصيل الرقمية حول الكلفة الكلية لخطة الطرق أو حجم العجز في الميزانية. الشفافية في الأرقام تظل ضرورية للمحاسبة وتقييم الأداء الحقيقي. إزالة التعديات من الأسواق تحتاج إلى قوة إنفاذ قانون مستمرة فالتجارب السابقة أثبتت أن الفوضى تعود بمجرد انسحاب السلطات. السؤال الجوهري هو ما الخطة لما بعد الإزالة حتى لا يتحول الأمر إلى حملة موسمية. اللقاء تزامن مع تدشين محصول البطاطس لكن التقرير لم يربط بشكل كاف بين مشروعات البنية التحتية ودعم الإنتاج الزراعي. شندي مدينة زراعية بالدرجة الأولى وتحتاج إلى خطة متكاملة تتجاوز الطرق إلى التمويل والتسويق والإرشاد.
مئة يوم فترة قصيرة للحكم النهائي على تجربة إدارية. ما عُرض حتى الآن هو بدايات واعدة وليس نتائج مكتملة. الإشادة المبكرة قد ترفع سقف التوقعات الشعبية وتضع الإدارة أمام اختبار صعب في الأشهر القادمة. نجاح تجربة شندي سيُقاس بمدى اكتمال الثلاثين كيلومتراً من الطرق وبقدرة الأسواق المنظمة على الصمود أمام ضغط العشوائية وبمدى تحول المسؤولية المجتمعية من مشروع إنارة وحيد إلى سياسة ثابتة تشمل الصحة والتعليم والمياه.
شندي اليوم تمثل مختبراً مصغراً لإدارة المحليات في زمن الحرب وشح الموارد. ما يجري فيها ستقرأه بقية المحليات في نهر النيل كخارطة طريق. الحاج بلة سومي تسلم مهامه في الثامن من ديسمبر خلفاً لخالد عبد الغفار الشيخ والوالي يمنحه الآن غطاءً سياسياً للاستمرار. الكرة الآن في ملعب الإدارة المحلية لإثبات أن المئة يوم الأولى كانت تأسيساً لمرحلة مختلفة وليست مجرد عناوين كبيرة في تقرير رسمي.




