
ليست المدارس حجارةً تُرص، ولا لافتات تُعلق، ولا أجراساً تدق. المدارس عهودٌ تُبرم مع الغد، ومواثيق شرف تُخط على ألواح المستقبل بمداد العزيمة. وفي أم درمان، حيث يعانق النيل الضفتين كما يعانق الحلم الحقيقة، سطعت “مدرسة العين الخاصة الابتدائية” كوكباً لا يأفل، حتى غدا اسمها نشيداً على شفاه التفوق، وعنواناً لجدٍ لا يساوم.
حين أُعلنت نتائج الشهادة الابتدائية هذا العام، لم تكن “العين” اسماً عابراً في ذيل القوائم. كانت القوائم ذاتها، وكانت الصدارة ميدانها الذي ألفته. تفوق لم تهبه الصدف، ولم تسقه ضربة حظ، بل سقته سواعد سهرت، وقلوب آمنت، وعقول خططت حتى استوى زرع النجاح سنابل تتمايل فخراً في حقل الطفولة.
في “العين” كان المعلم رسولاً قبل أن يكون موظفاً. يدلف إلى الفصل والفجر ما زال ندياً، ولا يبرحه إلا وقد أودع في كل عقل بذرة، وفي كل قلب يقيناً. عالجوا العثرة بالصبر، ورمموا النقص بالحكمة، وأوقدوا شمعة الشرح حتى انقشع ضباب الغموض. فتحوا أبواب المدرسة في العطلات، وبسطوا موائد المراجعات، فصار الكتاب أنيساً، وصار الامتحان ميداناً مألوفاً لا يُرهب.
وحين أزفت ساعة الحسم، نصبت المدرسة “معسكر المراجعة” خيمةً للعزم لا للترف. فيه اعتزل التلاميذ اللغط واعتكفوا على الحرف. نُظمت الحصص كفيالق، ورُسمت الدروس كخرائط فتح، وكان الزمن ميزاناً لا يميل. المعلون جنود، والتلميذ فارس، والغاية نصرٌ مؤزر على الورق. أُطعِموا العلم غضاً، وسُقوا التشجيع نميراً، فخرجوا من المعسكر أشد عوداً، وأمضى عزيمة، وأقرب إلى الحلم.
وما كان للفصل ولا للمعسكر أن يبلغا تمامهما لولا عين المتابعة التي لا تغفو. دفاتر تُستنطق كل صباح، وواجبات تُوزن كل مساء، ومستويات تُرصد بلا هوادة. ولي الأمر لم يكن ضيفاً، بل شريكاً يُستدعى ويُشاور ويُبشر. فالتحم البيت بالمدرسة، وصارا ضفتين لنهر واحد يصب في مصب التفوق.
وعلى رأس هذا البنيان المرصوص، يقف الأستاذ “أبو عبيدة” مديراً أدار الدفة بحزم الوالد وبصيرة القائد. لم يكن حبيس مكتب، بل كان في الطابور أول الحاضرين، وفي الفصل أشد المتابعين، وفي المعسكر آخر المغادرين. غرس في معلميه أن التعليم أمانة، وفي تلاميذه أن المستحيل لفظٌ شُطب من قواميس “العين”. فكان السر النبيل الذي يُحس ولا يُرى، ويُلمس في كل نتيجة باهرة.
ومن وراء هذا العطاء كله، كانت إدارة المدرسة بقيادة صاحبها “الغالي” السند المتين والركن الركين. آمن بأن الاستثمار في الإنسان أعظم الغرس، فلم يبخل بمال، ولم يضن بجهد، ولم يتردد في توفير كل معين. هيأ البيئة، وذلل الصعاب، وفتح الخزائن للكتاب والمعمل والوسيلة. كان يرى في كل تلميذ مشروع عالم، وفي كل فصل لبنة لمستقبل وطن. فبذل من حر ماله ما يشهد له، ومن وقته ما يدل عليه، ومن رؤيته ما جعل “العين” منارة لا تُخطئها العيون.
اليوم، حين رفعت “العين” هامتها تعانق السماء، فإنما رفعت معها هامة أم درمان، وهامة كل أسرة بذلت، وكل معلم أعطى، وكل إدارة آمنت. “مدرسة العين الخاصة الابتدائية” كانت البرهان الساطع على أن المجد لا يُشترى، بل يُغرس. وأن التفوق لا يُمنح، بل يُنتزع باجتماع القلوب على غاية واحدة.
فطوبى للمعلمين شموعاً أضاءت، وطوبى للتلاميذ نجوماً تلألأت، وطوبى للإدارة بقيادة “الغالي” يداً مدت وسخَت، وطوبى لك يا “أبا عبيدة” قبطاناً بلغ بالسفينة بر الأمان.
هكذا تُبنى الأوطان.. من فصل، ومن معسكر، ومن إدارة تؤمن، ومن قائد يرى في الطفل كل الغد.



