
في *ود مدني*، حيث يجري النيل الأزرق وحدهُ كشريانٍ أزرق في قلب الجزيرة، وحيث يصافح الوجع الأمل ولا ينهزم، يقف رجلٌ في بياض المعطف كأنه قصيدةٌ كُتبت بيد القدر.
إنه _مستر آدم محمد إبراهيم_.. جراحٌ لم يجعل من المشرط أداة قطعٍ فحسب، بل جعله قلماً يرتق به ما مزقته يد الحرب، ويد الفقر، ويد الزمن.
من محراب الجزيرة إلى مذبح الواجب
في العام 1997 دخل محراب كلية الطب بجامعة الجزيرة، لا يحمل في حقيبته سوى يقينٍ واحد: أن الطب ليس وظيفةً تُتقن، بل أمانةً تُحمل.
تخرج فاستقبله مستشفى ود مدني التعليمي، وهناك في قسم جراحة الأطفال، ثم في مركز الجزيرة القومي لجراحة الأطفال، تعلم درساً لا يُدرّس في الكتب: أن رعشة يد طفلٍ على طاولة العمليات، أثقل من كل الشهادات.
وفي 2009 سار في درب التخصص، تلميذاً نجيباً في مدرسة الكبار: البروفيسور _أحمد الأمين الشيخ_، ومستر _مجد الدين_، ومستر _يوسف إدريس_. شرب من معينهم العلم، وورث عنهم هيبة المهنة.
فنال تخصص الجراحة العامة في 2014، ثم عاد في 2026 إلى رحاب جامعته أستاذاً مساعداً، لا ليلقي محاضرات، بل ليزرع في قلوب الطلاب عقيدة: “الجراح لا يخيط الجسد، الجراح يخيط الكرامة”.
مديرٌ عمّر.. لا دمّر
وحين قُلّد أمانة إدارة مستشفى ود مدني في 2019، لم يرَ في الكرسي شرفاً، بل رآه صليباً. فمدّ يده إلى المغتربين، فكان عطاء أبناء ود مدني بقطر محطة أكسجين تتنفس بها المدينة. ومدّ يده إلى أهل الخير، فكانت منظمة “عناية” بقيادة _مصطفى هاترك وليد الأمين_، ومنظمة “تطوير ود مدني” بقيادة _دكتور صلاح حسن حسين_، شراكةً أنجبت عنايةً مركزة تُنقذ الأرواح. أدرك أن المستشفى ليس جدراناً وأجهزة، بل هو عقدٌ اجتماعي بين الطبيب والمواطن. فحوّل عرق الغربة إلى سرير، ودمعة الثكلى إلى نبض.
في زمن المحنة.. كان هو الدواء
وعندما أطبقت الحرب بليلها على البلاد، ثبت مستر آدم كالنخلة على ضفاف الأزرق. لم يغادر، ولم يبرر، ولم يعتذر. ظل في المشفى، والمشرط بين أصابعه، والوطن على كتفيه. استقبل جرحى السلاح وجرحى الجوع سواء. عمل ساعاتٍ لا تُحصى، لا يفرق بين زي عسكري وثوب مدني.
كان منطقه قدراً: “أقسمتُ أن أحفظ النفس، فكيف أفرق بين الأنفس؟”
في تلك الليالي التي كان الموت فيها يطرق الأبواب، كان صوته الهادئ في غرفة العمليات هو الأذان الذي يردّ الموت خائباً. فصار وجوده وحده بلسماً لأهل الجزيرة: “ما دام آدم هنا، فالمدينة لم تُهزم بعد”.
اليوم.. شيخ الجراحين
واليوم، هو رئيس قسم الجراحة بمستشفى ود مدني، ورئيس شعبة الجراحة بكلية الطب بجامعة الجزيرة. وله وحدته في مستشفى مدني وفي المستشفى العسكري، يمضي فيها كما يمضي النيل الأزرق: هادئاً في ظاهره، عميقاً في أثره، لا يكل ولا يمل. مستر آدم ليس طبيباً. هو معمارٌ للإنسان. يبني من الألم صبراً، ومن الخوف شجاعة، ومن الجرح حكاية شفاء.
في زمنٍ صار فيه الكلام رخيصاً، اختار أن يكون فعله بليغاً.
وفي زمنٍ تكاثرت فيه السكاكين، اختار أن يكون هو السكين التي تشفي.
سلامٌ على ابن الجزيرة.. الذي علّمنا أن أعظم انتصارٍ في زمن الخراب، هو أن تظل يدك ممدودةً للشفاء.




