
في زمن الحرب، تسقط تعريفات كثيرة. يسقط المعنى التقليدي للوزارة، ويسقط المعنى الجامد للخزينة، وتسقط الحدود بين الوظيفة والرسالة. وحين تضيق الأرض بأهلها، وتستحيل الموازنة إلى كفن من الأرقام، ينهض رجال يدركون أن المال العام ليس رصيداً في البنوك، بل هو دمٌ يجري في عروق الوطن. فإن جمد، مات الجسد. وإن تحرك، عادت الحياة.
هذا ما فعلته وزارة مالية ولاية الجزيرة. لم تقف عند باب الدفاتر تحصي ما دخل وما خرج، بل فتحت الباب على مصراعيه لتدخل إلى قلب المعركة. معركة تطبيع الحياة في وجه الخراب، ومعركة التنمية في وجه العدم، ومعركة الكرامة في وجه الجوع. لقد أدركت مبكراً أن دورها في زمن الكارثة لا يُقاس بما تجبيه، بل بما تبذله. وأن نجاحها لا يُكتب في تقارير المراجع، بل يُكتب في وجوه الناس حين يعود إليها الأمل.
تحولت الخزينة على يدها من خزانة صامتة إلى مشروع وطن نابض. صارت كل فاتورة صرفٍ هي لبنة في جدار الصمود، وكل اعتماد مالي هو شريان يغذي مدينة أو قرية أو مرفقاً متهالكاً. لم تنتظر تعليمات المركز حين كان المركز غائباً، ولم تتذرع بشح الموارد حين كانت الحاجة صارخة. اجتهدت، ودبرت، وضغطت النفقات، وعظمت الإيراد، وطرقت أبواب الخيرين. فعلت ذلك كله وهي تؤمن أن انهيار الجزيرة يعني انهيار قلب السودان النابض، وأن صمودها يعني أن للبلاد رئة تتنفس منها حتى ينجلي الدخان.
إن الفلسفة التي حكمت أداء الوزارة هي فلسفة “الإنسان أولاً”. رأت في التاجر الذي احترق متجره مشروعاً للإنقاذ لا رقماً في كشف الخسائر. فمدت له يد التسهيلات والإعفاءات، وأعادت فتح الأسواق لتعود الدورة الاقتصادية إلى الدوران. ورأت في المزارع الذي جفت قناته جندياً في معركة الغذاء، فمولت التقاوي، ودعمت الري، واشترت المحصول كي لا يكسر الخوف ظهره. ورأت في الموظف والنازح والأرملة واليتيم أصحاب حق لا طالبي منّة، فحفظت الرواتب، ودعمت التكايا، وكفلت العلاج. هكذا، صار المال العام جسراً للعبور، لا سوراً للعزل.
لقد نجحت وزارة مالية الجزيرة في أن تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. لم تعد علاقة جباية وريبة، بل صارت علاقة شراكة وثقة. حين رأى الناس أن أموالهم تعود إليهم خدماتٍ وماءً وكهرباءً ودواءً، استعادوا إيمانهم بأن الدولة لم تمت. وحين شعر التاجر أن الوزارة تسنده لا تثقله، عاد ليفتح متجره تحت القصف. هذا هو رأس المال الحقيقي الذي راكمته الوزارة في زمن الحرب: رأس مال الثقة. وهو أثمن من كل أرصدة الذهب.
إن ما قامت به مالية الجزيرة لم يكن إدارة أزمة، بل كان هندسة لصمود. لم تكن تطفئ الحرائق فقط، بل كانت تزرع في الأرض المحروقة بذور الغد. ولهذا، فإن هذه أن مانكتبه ليست تمجيداً لشخوص، بل توثيقاً لتجربة. تجربة تقول إن المؤسسة حين تتشبع بروح المسؤولية، تستطيع أن تفعل المستحيل بالإمكانات المحدودة. وإن الضمير حين يحكم، تتحول الخزينة إلى وطن.
الطريق ما زال طويلاً، والجراح لم تندمل بعد. لكن الجزيرة تتعافى. تتعافى لأن في مؤسساتها من آمن أن المنصب مغرم لا مغنم، وأن الخدمة دين لا وظيفة. تتعافى لأن ماليتها قررت أن تكون نبض الإعمار في زمن الحرب، وأن تكتب بالفعل لا بالقول أن السودان باقٍ ما بقي فيه رجال يرون في الخزينة مشروع وطن.
هذه هي الحكاية التي سنرويها في الأيام القادمة. حكاية خزينة رفضت أن تكون مقبرة للأرقام، فصارت ميلاداً للحياة.




