
في زمن الحرب، تموت الحقائق أولاً، وتُدفن الكلمات تحت ركام القذائف. ويصبح الصمت هو اللغة الأكثر أماناً. لكن من بين الدخان، نهضت شاشة لتكسر القاعدة. شاشة قررت ألا تكون شاهد زور، بل شاهد حق. إنها شاشة تلفزيون ولاية الخرطوم، التي اختارت في أحلك الظروف أن تنحاز، لكن انحيازها كان للمواطن، واصطفافها كان مع الكرامة.
لم يكن التلفزيون مجرد مبنى ومعدات. كان ضميراً. وفي لحظة سقطت فيها عواصم الحقيقة، بقي هو واقفاً على قدميه المنهكتين، يروي للعالم أن هنا مدينة تُقاوم، وأن هنا شعباً لا يُهزم. لقد فهم القائمون عليه باكراً أن المعركة ليست بالرصاص وحده، بل بالكلمة والصورة والوعي. وأن الكاميرا يمكن أن تكون بندقية، والخبر يمكن أن يكون خندقاً.
تميّز تلفزيون الخرطوم لم يأتِ من استديوهات فارهة، فقد كان يعمل أحياناً على مولد مرهق، ولا من تقنيات باذخة، فقد كان يبث والمدينة تحت القصف. تميزه جاء من أنه استعاد للشاشة الحكومية وظيفتها الأولى: أن تكون مرآة الناس لا مرآة السلطة. نزل إلى الشوارع حين هجرها الجميع، ونقل أنين المواطن قبل أن ينقل تصريح المسؤول.
فتح شاشته للتكايا التي تُطعم الجائع، وللمبادرات الشبابية التي ترفع الأنقاض، وللطبيب الذي يداوي في مستشفى بلا جدران، وللأم التي تبحث عن ابنها بين النازحين. صار دفتر يوميات الخرطوم. يؤرخ للوجع، لكنه يؤرخ أيضاً للصمود. يبكي مع الناس، لكنه يمنحهم سبباً ليبتسموا. تلك هي المعادلة الصعبة التي نجح فيها: أن تكون صوت الألم، وألا تكون ناطقاً باليأس.
حين أُطلق على حرب السودان اسم “معركة الكرامة”، كان التلفزيون يدرك أن للكرامة جبهات عدة. جبهة السلاح، وجبهة الوعي، وجبهة الرواية. فحمل رايته في الجبهة الثالثة. تصدى لسيل الشائعات الذي أراد كسر الروح المعنوية، وفكك خطاب الهزيمة الذي كان يُضخ ليل نهار. استضاف الخبير ليشرح، والمحلل ليفند، والمواطن البسيط ليقول: “نحن هنا، وصامدون”.
لم يكتفِ بنقل الحدث، بل ذهب إلى ما وراء الخبر. صنع برامج توثق بطولات الجنود، وتخلد تضحيات المواطنين، وتُعرّي زيف المعتدي. قدم “الكرامة” لا كشعار يُرفع، بل كقصة تُروى. قصة الجندي في الخندق، والمرأة في التكية، والطفل الذي عاد إلى مدرسته تحت القصف. لقد حوّل الشاشة إلى سجل وطني، حتى لا يُزوّر التاريخ غداً.
ووراء كل مؤسسة تنهض في زمن الانكسار، يقف رجل آمن أن المستحيل رأي. الدكتور يوسف الناير، مدير تلفزيون ولاية الخرطوم، لم يُدر التلفزيون من مكتبه، بل أدار المعركة من الميدان. كان يراه الناس في غرف الأخبار يتابع، وفي الشارع يصور، وبين الكادر يشد من الأزر. فهم أن القيادة في زمن الحرب ليست توقيعاً على الأوراق، بل وقوفاً في الصف الأول.
آمن د. الناير أن الإعلام الحكومي يستطيع أن يكون حراً دون أن يكون فوضوياً، ووطنياً دون أن يكون بوقاً. ففتح الباب للرأي الآخر المسؤول، واشترط على الشاشة أن تكون مهنية قبل أن تكون متحمسة. حارب بيروقراطية الخوف، ودفع بكوادره الشابة إلى الواجهة، قائلاً لهم: “الميكروفون أمانة، والكاميرا رسالة”. فصدقوه، وحملوا الرسالة.
جهده لم يكن في تسيير البث فقط، بل في حماية “روح” التلفزيون. حماه من أن يتحول إلى منصة للشماتة أو خطاب الكراهية، وأصرّ أن يبقى خطابه خطاب دولة، لا خطاب خصومة. خطاب يجمع ولا يفرق، يداوي ولا يجرح. في عهده، صارت نشرة الأخبار وثيقة، والتحقيق الميداني شهادة، والبرنامج الحواري منبراً للحكمة لا للصراخ.
اليوم، والناس يتحدثون عن العودة، يذكرون أن تلفزيون الخرطوم لم يغادر. ظل هنا، يضيء شمعة حين انقطعت الكهرباء عن المدينة كلها. كان هو “كهرباء الروح”. يخبر النازح في بورتسودان أن بيته ما زال واقفاً، ويخبر المقاتل في الخندق أن أهله بخير، ويخبر العالم أن الخرطوم رغم الجراح، ما زالت تنبض.
لقد انحاز التلفزيون للمواطن، فانحاز المواطن له. صار جزءاً من حكاية الصمود، لا مجرد ناقل لها. وهذا هو التميز الحقيقي: أن تتحول من جهاز إلى وجدان.
في معركة الكرامة، كان للبندقية رجالها، وكان للشاشة فارسها. وسيسجل التاريخ أن في زمن كذبت فيه الشاشات، صدقت شاشة الخرطوم. وأن في عهد د. يوسف الناير، تكلم التلفزيون بلسان الناس، فدخل قلوبهم قبل بيوتهم.
لأن الكلمة حين تكون صادقة، تصبح وطناً. وتلفزيون الخرطوم كان وطناً في زمن المنفى.



